كتب: معاوية أبوالريش
يا أهلنا الأحباب في السودان، يا أبناء النيل العظيم، يا ورثة حضارة كوش ومروي، في هذه الأوقات العصيبة التي تجتازونها، حيث عصفت بكم حرب عبثية مدمرة لا ناقة لكم فيها ولا جمل، حرب فرقت الأحباب وشردت الأهل والأصحاب، وجعلت الديار خراباً والقلوب عذاباً، أريد أن أسرد عليكم قصة صبر جميل، قصة نبي كريم عاش من البلاء ما يذيب الجبال، فكان مثالاً يُحتذى في الصبر والاحتساب، لعلها تكون بلسماً لجراحكم، ونوراً في ظلمات محنتكم.
سيدنا يعقوب عليه السلام، ذلك النبي الكريم الذي ابتُلي بفراق أحب أولاده إليه، فعاش أربعين عاماً كاملة في غياهب الحزن وظلمات الألم. أربعون سنة من الدموع المنسكبة ليلاً ونهاراً، حتى ابيضت عيناه من كثرة البكاء فأصبح أعمى لا يبصر إلا بنور الإيمان في قلبه. شيخ طاعن في السن، كسير القلب، مفقود البصر، فقد ولديه الحبيبين يوسف وأخاه، يعيش في فقر مدقع وذل عظيم، تحيط به الهموم من كل جانب، ولكنه في كل هذا العذاب النفسي والجسدي لم يشك إلا إلى خالقه، ولم يلجأ إلا إلى بارئه، قائلاً بلسان المؤمن الموقن: “إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ”.
هذه الآية المباركة التي تحمل في طياتها معاني الصبر والاحتساب، كانت تؤثر في قلوب الصحابة الكرام تأثيراً عجيباً، فكان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا تلاها في صلاة الفجر غلبه البكاء، فبكى الناس لبكائه، وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كذلك، كان الناس يعرفون أنه إذا وصل إلى هذه الآية في تلاوته سيقف ويبكي، فيبكون لبكائه. إنها كلمات تنبع من قلب منكسر، ولكنه منكسر بين يدي الله لا بين يدي الخلق، قلب يعرف أن الشكوى لا تكون إلا لمن يملك الحل والفرج.
وفي ليلة من تلك الليالي الطويلة المظلمة، كان سيدنا يعقوب ساجداً بين يدي ربه، يبكي بكاءً يقطع القلوب، ويناجي خالقه بكلمات تفيض حسرة وألماً: “يا رب، أما ترحم ضعفي وهزال جسدي؟ يا رب، أما ترحم شيبتي التي علت رأسي؟ يا رب، أما ترحم كِبَر سِنّي وانحناء ظهري؟ يا رب، أما ترحم ذُلّي وانكساري؟ يا رب، أما ترحم فقري وحاجتي؟” فأوحى الله إليه بما يشفي الغليل ويبرد الحليل: “يا يعقوب، وعزتي وجلالي، وارتفاعي على خلقي، لو كان يوسف ميتاً لأحييته لك”. وجاءته البشرى في اليوم التالي، فقال بيقين العارف الواثق برحمة ربه: “أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ”.
واليوم، يا أحبابنا السودانيين والسودانيات، وأنتم تعيشون محنة تشبه في قسوتها محنة الأنبياء، تذكروا هذا الدرس العظيم من مدرسة الصبر الإلهية. أنتم الذين انقطعت عنكم الكهرباء لأشهر وأشهر، فأصبحتم تعيشون الليالي في ظلام دامس كالذي عاشه يعقوب في ظلمة عماه، تعلمون معنى الصبر على فقدان النعم التي كنتم تعتبرونها من المسلمات. وأنتم الذين تسيرون مسافات شاسعة بحثاً عن قطرة ماء نظيفة، تحملون الجرار على الأكتاف والرؤوس، وقد تشققت أقدامكم من طول المسير، تعرفون معنى الظمأ الحقيقي، كما عرف يعقوب ظمأ الفؤاد لرؤية يوسف. وأنتم الذين تحاربون الأوبئة والأمراض في ظل انهيار النظام الصحي، وتكافحون جحافل الباعوض التي تملأ الليل أزيزاً، ونقيق الضفادع الذي يمنع النوم عن العيون المتعبة، تعيشون جهاداً يومياً ضد عدو لا يُرى، كما جاهد يعقوب ضد الحزن الذي لا يُرى ولكنه يفتك بالقلب فتكاً.
إن غلاء الأسعار الذي جعل رغيف الخبز حلماً بعيد المنال، وضيق العيش الذي حول الحياة إلى كفاح مرير من أجل لقمة تسد الجوع أو جرعة ماء تروي الظمأ، يذكرنا بفقر يعقوب وذله الذي شكاه إلى ربه. وأنتم في الفاشر المحاصرة، يا من تشهدون موت الأطفال جوعاً وذبول الأزهار الصغيرة من العطش، تعيشون مأساة إنسانية تفطر القلوب، ولكن صبركم واحتسابكم يرفعكم إلى مصاف الصابرين المحتسبين.
ولكن تذكروا، يا أعزاءنا، أن المحن في الإسلام ليست عقاباً بل امتحان، ليست نقمة بل رحمة مخفية، وليست نهاية بل بداية لفجر جديد. إن الله الذي ابتلى يعقوب بفقدان يوسف أربعين عاماً، هو نفسه الذي أعاده إليه أجمل مما كان، وزاده من النعم ما لم يكن يتوقع. والله الذي ابتلاكم بهذه الحرب العبثية وما تبعها من محن ومصائب، هو نفسه الذي سيعوضكم خيراً مما فقدتم، وسيجعل بعد عسركم يسراً، وبعد ضيقكم فرجاً، وبعد خوفكم أمناً.
إن صبركم اليوم، يا أبناء السودان الكرام، هو استثمار في الآخرة وزرع للخير في الدنيا. كل ليلة تقضونها في الظلام محتسبين، وكل خطوة تخطونها بحثاً عن الماء صابرين، وكل لحظة جوع تتحملونها راضين بقضاء الله، وكل دمعة تذرفونها على أحبابكم المفقودين أو المتألمين، كلها في ميزان حسناتكم، وكلها ترفع درجاتكم عند رب العالمين. إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ولا ينسى صبر الصابرين، ولا يهمل دعاء المكروبين.
واعلموا أن هذه المحنة التي تمرون بها، مهما طالت، ومهما اشتدت، فهي إلى زوال، كما زالت محنة يعقوب بعد أربعين عاماً. إن الله الذي أوحى ليعقوب: “لو كان يوسف ميتاً لأحييته لك”، يقول لكم اليوم: لو كان السودان ميتاً لأحييته لكم. إن الذي رد يوسف إلى أبيه أجمل مما كان، سيرد إليكم بلادكم أجمل مما كانت، أكثر ازدهاراً وأمناً واستقراراً ورخاءً.
فكما صبر يعقوب على فراق يوسف أربعين عاماً، اصبروا على هذه المحنة التي لن تدوم إلا حيناً من الدهر. وكما لم ييأس يعقوب من روح الله رغم طول البلاء، لا تيأسوا أنتم من رحمة الله رغم شدة المعاناة. وكما شكا يعقوب همه إلى الله وحده، اشكوا همومكم إلى الله وحده، فهو وحده القادر على كشف الضر وإزالة البلاء. وكما أيقن يعقوب أن الله يعلم ما لا يعلمون، تيقنوا أنتم أن الله يدبر لكم خيراً مما تتصورون، وأن وراء هذه الغيوم الداكنة شمساً مشرقة، وأن بعد هذا الليل الطويل فجراً صادقاً.
إن الذي قال: “وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ”لم ينس صبركم، والذي قال: “إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ” لن يضيع احتسابكم. كل دمعة ذرفتموها صابرين محتسبين مكتوبة في سجل المحسنين، وكل ليلة قضيتموها في الظلام دون تذمر أو جزع محسوبة في ميزان الأجر والثواب، وكل لحظة خوف تحملتموها واثقين برحمة الله مضاعفة في كتاب الحسنات.
ستأتي الأيام التي تقولون فيها كما قال يعقوب: “أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ”، ستعود إليكم الكهرباء فتضيء بيوتكم كما أضاءت عينا يعقوب برؤية يوسف، وستجري في أراضيكم المياه العذبة كما جرى النيل من قبل، وستُشفى أمراضكم وتُرفع عنكم البلاءات كما رُفع عن يعقوب كربه وحزنه، وستنخفض الأسعار ويعود الرخاء كما عاد يوسف إلى أبيه بالخير والبركة، وستُفتح الطرق المحاصرة وتتحرر المدن المحاطة كما تحرر قلب يعقوب من أسر الحزن.
إن هذه الحرب العبثية التي دمرت البنى التحتية وهدمت المستشفيات والمدارس، وفرقت العائلات وشردت الملايين، وجعلت الأطفال أيتاماً والنساء أرامل، لن تدوم إلى الأبد. إن الله الذي أنهى محنة يعقوب في لحظة واحدة بقميص من يوسف، قادر على أن ينهي محنتكم في لمح البصر. إن الذي جمع شمل يعقوب بأولاده بعد فراق طويل، سيجمع شملكم بأحبابكم المشردين والمفقودين، وسيعيد إليكم الأمان الذي افتقدتموه، والاستقرار الذي حُرمتم منه.
تذكروا أن كل محنة لها حكمة، وكل بلاء له غاية، وكل ضيق له مخرج. لعل الله أراد أن يرفع درجاتكم في الجنة بهذا الصبر الجميل، ولعله أراد أن يطهركم من الذنوب بهذا الابتلاء، ولعله أراد أن يعلم العالم كله معنى الصبر الحقيقي من خلالكم، كما علمه من خلال يعقوب عليه السلام. إن صبركم على انقطاع الخدمات الأساسية، وصبركم على فراق الأحباب، وصبركم على الجوع والعطش، وصبركم على الخوف وانعدام الأمان، كل ذلك عبادة عظيمة يحبها الله ويأجر عليها أجراً عظيماً.
ولا تظنوا أن دعواتكم في جوف الليل، وأنتم تناجون ربكم بالدموع والانكسار، تذهب سدى أو تضيع هباءً. إن كل دعوة ترفعونها إلى السماء محفوظة مكتوبة، وكل نداء تطلقونه “يا رب” مسموع مُجاب، ولكن الله يختار الوقت المناسب للإجابة، كما اختار الوقت المناسب لرد يوسف إلى أبيه. إن الله لا يعجل لعجلة أحد، ولكنه لا يؤخر شيئاً عن وقته المحدد في علمه الأزلي.
واعلموا أن هذه المحنة التي تجتازونها ستكون يوماً ما ذكرى تحكونها لأولادكم وأحفادكم، كما نحكي نحن اليوم قصة يعقوب ويوسف. ستحكون لهم كيف صبرتم في الظلام فأضاء الله لكم النور، وكيف عطشتم فأجرى الله لكم الأنهار، وكيف جعتم فأطعمكم الله من رزقه الواسع، وكيف خفتم فآمنكم الله في دياركم. ستصبح محنتكم هذه شاهداً على صدق إيمانكم، ودليلاً على قوة صبركم، وبرهاناً على عظمة ربكم الذي لا يخذل من توكل عليه.
إن الجراح التي تحملونها اليوم في قلوبكم بسبب فراق الأحباب أو فقدان المنازل أو تشرد العائلات، ستندمل يوماً ما بلطف الله ورحمته، كما اندملت جراح يعقوب برؤية يوسف. والدموع التي تذرفونها اليوم حزناً وكمداً، ستتحول يوماً ما إلى دموع فرح وسرور، كما تحولت دموع يعقوب من دموع الفراق إلى دموع اللقاء. والظلام الذي تعيشونه اليوم، سيتحول إلى نور باهر يضيء دروبكم ومستقبل أولادكم.
فاصبروا كما صبر يعقوب، ولا تيأسوا من روح الله كما لم ييأس، واحتسبوا عند الله كما احتسب، واشكوا إلى الله وحده كما شكا، واوثقوا برحمة الله كما وثق. إن الذي رد يوسف إلى أبيه أحسن مما كان، سيرد إليكم السودان أحسن مما كان، أكثر أمناً وازدهاراً ورخاءً وجمالاً. إن الذي أعاد البصر ليعقوب بعدما ابيضت عيناه، سيعيد إليكم البسمة والفرحة بعدما ذرفتم الدموع الغزار.
مهما اشتدت عليكم الأزمات، ومهما عصفت بكم رياح المحن العاتية، ومهما التفت حولكم الكربات والهموم، تذكروا أن “مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”، وأن “لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”، وأن “وَكَانَ اللَّهُ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا”. إن الله الذي قال لشيء “كن” فكان، قادر على أن يقول لمحنتكم “انتهي” فتنتهي في لمح البصر، وأن يقول للفرج “تعجل” فيأتيكم قبل أن تتوقعوا، وأن يقول للخير والبركة “انزلوا على السودان” فينزلان بإذنه تعالى.
يا رب العالمين، كما فرحت يعقوب برؤية يوسف بعد أربعين عاماً من الانتظار، فرح أهلنا في السودان بعودة الأمن والأمان إلى ديارهم، وبعودة الكهرباء إلى بيوتهم، وبجريان الماء النظيف في صنابيرهم، وبشفاء مرضاهم ورجوع غائبيهم وأمان خائفيهم وإطعام جائعيهم. يا رب، طهر أرض السودان من القتلة والظالمين، ومن اللصوص والمفسدين، ومن كل من تسبب في معاناة السودانيين والسودانيات، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، وطهر البلاد من شرهم وفسادهم، واجعل السودان آمناً من كل سوء، محفوظاً من كل أذى. يا رب، اجعل بعد هذا العسر يسراً، وبعد هذا الضيق فرجاً، وبعد هذا الحزن فرحاً، واجعل السودان أجمل مما كان، خالياً من المجرمين والطغاة، آمناً مطمئناً مزدهراً، يعيش فيه الصالحون بأمان وكرامة، بإذنك يا أرحم الراحمين.



