تقرير خاص – سليمان سري
في خطوة وُصفت بأنها رمزية ومحفوفة بالرسائل السياسية المعقدة، عقد مجلس الوزراء السوداني برئاسة د. كامل إدريس أول اجتماع رسمي له في العاصمة الخرطوم منذ اندلاع حرب 15 أبريل 2023، بمشاركة 22 وزيراً، لمناقشة ملفات الحوار الوطني، العلاقات الخارجية، الإعمار، ومعاش الناس.
ورغم أن الاجتماع يرمز – في نظر الحكومة – إلى بداية عودة الحياة إلى طبيعتها، إلا أن مراقبين حذروا من قراءة مفرطة في التفاؤل، معتبرين أن الاجتماع يحمل رسائل داخلية وخارجية، سياسية وأمنية في آن واحد.
كامل إدريس: الحوار الشامل أساس الاستشفاء الوطني
في تصريحاته عقب الجلسة، شدد رئيس الوزراء د. كامل إدريس على أن الحكومة تولي اهتماماً كبيراً بالحوار السوداني ـ السوداني “الجامع وغير الإقصائي”، في إطار ما وصفه بـ”الاستشفاء الوطني”، مع التركيز على تطوير الدبلوماسية الشعبية والرسمية، وتحقيق السلام الشامل.
لكن العبارة المفتاحية “لا يستثني أحداً” أثارت كثيراً من علامات الاستفهام حول مدى شمول هذا الحوار، وطبيعة الأطراف التي يمكن أن تُستدعى للمشاركة فيه.
انتقادات: هل هي محاولة “لتجميل الحرب”؟
وفي مداخلة ناقدة لـ”راديو دبنقا”، قلل د. أحمد بابكر، القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي، من أهمية الاجتماع، واعتبره غطاءً سياسياً لواقع عسكري وأمني هش. وذهب إلى حد التشكيك في وجود “اتفاق غير مكتوب” بين الجيش والدعم السريع بعدم استهداف القيادات.
وقال إنّ تحركات بعض القادة، مثل البرهان والكباشي، ظلت محصّنة من الاستهداف رغم الضربات الجوية، ما يعزز فرضية وجود تفاهمات خفية، في وقت يدفع فيه المدنيون وحدهم كلفة الحرب.
حرب بالوكالة… ورسائل للضغوط الدولية
اتهم بابكر الحكومة بممارسة نوع من “التجميل السياسي للحرب”، متحدثاً عن سعيها لتقديم صورة وردية للعاصمة بهدف إقناع المجتمع الدولي بأنها آمنة، وذلك تحت ضغط ملف الأسلحة الكيميائية، الذي يثير قلقاً متزايداً في العواصم الغربية.
واعتبر أن الاجتماع والإشارات إلى “عودة الحياة للخرطوم” تأتي في سياق تمرير صفقة سياسية مع القوى الدولية، خاصة الولايات المتحدة والرباعية، وإعادة تقديم حكومة بورتسودان بوجه مدني من خلال كامل إدريس، الذي قال إنه “لا يملك من أمره شيئاً”.
الحوار السوداني ـ السوداني: غامض ومتناقض
سخر د. بابكر من الطرح المتكرر لفكرة “الحوار السوداني السوداني”، واصفاً إياها بأنها مستهلكة وبدون أجندة واضحة، وتفتقد التحديد الضروري: من يشارك؟ ومن يستثنى؟ هل المقصود إشراك الإسلاميين؟ أم أطراف الحرب؟ أم فقط القوى المدنية؟
وأضاف أن غياب كيان سياسي مدني موحّد يجعل أي حديث عن حوار فعال “مجرد أماني”، مشيراً إلى أن الكرة الآن في ملعب القوى المدنية التي يجب أن تتوحد لتفرض أجندة ثورة ديسمبر كمرجعية لأي تسوية.
أهداف مزدوجة للحوار: عودة للاتحاد الأفريقي وكبح التدخلات
رأى بابكر أن الحوار السوداني ـ السوداني المطروح لا يعدو أن يكون رسالة مزدوجة للخارج: أولاً للمجتمع الدولي بأن هناك بوادر سلام، وثانياً للاتحاد الإفريقي بوجود حكومة مدنية تؤهل السودان لاستعادة عضويته.
لكنه خلص إلى أن الإرادة الحقيقية لإنهاء الحرب غير متوفرة لدى الأطراف المتحاربة، وأن كل ما يجري الآن لا يتعدى محاولة كسب الوقت، وتحسين الصورة أمام الخارج، دون خطوات عملية نحو وقف الحرب أو التفاوض الحقيقي.
خلاصة التقرير:
-
أول اجتماع لمجلس الوزراء في الخرطوم منذ اندلاع الحرب يحمل رمزية سياسية وأمنية واضحة.
-
الحكومة تحاول تقديم الخرطوم كعاصمة آمنة وجاهزة للحوار الشامل.
-
منتقدون يعتبرون الخطوة محاولة لتلميع الحرب وتفادي الضغوط الدولية.
-
غموض كبير يحيط بالحوار المقترح: من يشارك؟ وما هي أجندته؟ وهل يشمل الإسلاميين؟
-
القوى المدنية مطالبة بتوحيد صفوفها لفرض أجندة الثورة إذا أرادت التأثير في أي تسوية قادمة.



