الأعمدة

الآثار القانونية لتكوين حكومة موازية في السودان علي العمال وموظفي الدولة في ضوء القوانين المحلية والدولية :

بقلم الدكتور : كمال محمد الأمين عبد السلام – المحامي
المقدمة :
يشهد السودان منذ سنوات حالة من عدم الاستقرار السياسي والتحديات الأمنية والاقتصادية التي أثرت بشكل مباشر علي مختلف فئات المجتمع، وبشكل خاص علي الطبقة العاملة في القطاعين الخاص والعام ..ومع اندلاع الحرب الحالية في ١٥ أبريل ٢٠٢٣م أرتفع خطاب العنصرية والكراهية بصورة لافتة .ومع توقيع الميثاق التأسيسي في نيروبي والتلويح بتشكيل حكومة موازية ..تظهر تساؤلات حول الآثار القانونية المترتبة علي ذلك بالنسبة للعمال في السودان ..نسعي في سلسة من المقالات إبراز هذا الخطر القادم في شتي المناحي ونحاول في هذه السلسلة تحليل هذه الآثار من منظور قانوني بحت مسلطين الضوء علي وضع العمال في القوانين المحلية والدولية ..وتقديم رؤية قانونية شاملة للتحديات التي تواجه العمال في ظل هذا الوضع غير المسبوق ..
أولا:- الإطار القانوني للعمل في السودان :
١. القوانين العمالية السارية في السودان
يخضع العمل في السودان لمجموعة من التشريعات الأساسية ، أهمها :-
قانون العمل السوداني لسنة ١٩٩٧ بتعديلاته المختلفة
قانون التأمينات الاجتماعية
قانون النقابات العمالية
الاتفاقيات الجماعية المبرمة بين أصحاب العمل والعمال
الوثيقة الدستورية والضمانات التي توفرها للحقوق العمالية
هذه التشريعات تنظم العلاقات بين العمال وأصحاب العمل وتحدد الحقوق والالتزامات المتبادلة وتوفر الحماية القانونية للعمال.
٢. المعاهدات والإتفاقيات التي صادقت عليها حكومة السودان :
صادق السودان علي عدد من الاتفاقيات الدولية بخصوص العمل والعمال …أهمها علي الإطلاق أتفاقيات منظمة العمل الدولية ( ILO) وغيرها من المعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق العمال ، منها :
اتفاقية العمل الدولية رقم ٢٩ بشأن العمل الجبري
إتفاقية العمل الدولية رقم ٩٨ بشأن حق التنظيم والمفاوضة الجماعية
إتفاقية العمل الدولية رقم 100 بشأن المساواة في الأجور
العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
هذه الاتفاقيات تشكل جزء من النظام القانوني السوداني ، وتلزم الدولة بإحترام وضمان حقوق العمال وفقا للمعايير الدولية .
ثانيا :- الآثار القانونية لتكوين حكومة موازية علي العمال في ظل الدولة الواحدة …؟!!!!
١- شرعية علاقات العمل :
إن وجود حكومتين متنافستين قد يؤدي إلي إشكاليات قانونية معقدة تتعلق بصحة ونفاذ عقود العمل ..:-
المشكلة الأولي : إزدواجية النظام القانوني : فقد تصدر الحكومة الموازية تشريعات عمالية جديدة تتعارض مع التشريعات القائمة مما يخلق حالة من الارتباك القانوني .
فهنا يثور التساؤل حول ماهية الجهة المختصة بتسجيل عقود العمل وتسوية المنازعات العمالية …
وهذا يقود بدوره إلي تضارب المرجعيات في ظل وجود حكومة موازيه وبالتأكيد سيقود إلي تضارب مؤكد في المرجعيات القانونية للمنازعات العمالية مما سيؤثر علي استقرار علاقات العمل .
٢- حقوق العمال الأساسية في ظل الإزدواجية الحكومية :
تتأثر حقوق العمال الأساسية في ظل وجود حكومتين متنافستين ومن أبرز هذه التأثيرات :
الحق في التنظيم النقابي : فقد تنشأ نقابات عملية موازية تتبع كل منها لسلطة مختلفه ، مما يضعف الحركة النقابية ويؤثر علي قدرتها في الدفاع عن حقوق العمال .
الحق في الإضراب والتفاوض الجماعي : قد تختلف القواعد المنظمة للإضراب والتفاوض الجماعي بين السلطتين، مما يعقد ممارسة العمال لهذه الحقوق .
الحق في التقاضي : قد يواجه العمال صعوبة في الوصول إلي العدالة بسبب الإزدواجية في النظام القضائي وعدم وضوح الجهة المختصة بنظر المنازعات العمالية .
٣- الإطار القانوني الدولي في ظل وجود سلطتين في مناطق مختلفه :
١- مبدأ استمرارية الالتزامات الدولية :
فوفقا للقانون الدولي ، تستمر الالتزامات الدولية للدولة بغض النظر عن التغيرات الداخلية في نظام الحكم وبالتالي :-
– يظل السودان ملتزما باتفاقيات العمل الدولية التي صادق عليها بغض النظر عن الجهة التي تسيطر علي الحكم
وتظل حقوق العمال المنصوص عليها في المعاهدات الدولية مضمونه من الناحية النظرية حتي في ظل الإزدواجية الحكومية .
٢- دور المنظمات الدولية في حماية حقوق العمال :
تلعب المنظمات الدولية دورا مهما في حماية حقوق العمال في الدولة التي تشهد نزاعات داخلية .
منظمة العمل الدولية : تراقب امتثال الدول لإلتزاماتها بموجب إتفاقيات العمل الدولية ، وقد تتدخل في حالات إنتهاك حقوق العمال .
المفوضية السامية لحقوق الإنسان : تراقب إنتهاكات حقوق الإنسان بما في ذلك الحقوق العمالية وتقدم تقارير دورية بهذا الشأن .
المنظمات غير الحكومية : تلعب دورا في توثيق إنتهاكات حقوق العمال والضغط من أجل احترامها .
٣- الإعتراف الدولي وأثرة علي علاقات العمل :
يؤثر الاعتراف الدولي بالحكومة الشرعية علي علاقات العمل ، خاصة في القطاعات المرتبطة بالتجارة الدولية :
فقد تتأثر الشركات متعددة الجنسيات العاملة في السودان بقرارات الإعتراف الدولية مما قد ينعكس علي علاقات العمل داخل هذه الشركات .
قد تلتزم بعض الدول والمنظمات الدولية بالتعامل مع الحكومة المعترف بها دوليا فقط مما قد يؤثر علي برامج الدعم والمساعدات الموجهه للعمال.
رابعا :- الاستراتيجيات القانونية لحماية الحقوق العمالية في ظل وجود حكومتين في مناطق مختلفه :-
١- دور القضاء الوطني والدولي :
يمكن أن يلعب القضاء دورا مهما في حماية حقوق العمال في ظل الإزدواجية الحكومية ..فيمكن للقضاء الوطني أن يطبق المبادئ المتعلقة بحقوق الإنسان بعيدا عن خطاب الكراهية والجهوية وبغض النظر عن الجهه التي تسيطر علي الحكم
آليات التقاضي الدولية :
يمكن للعمال اللجوء إلي آليات التقاضي الدولية في حالات انتهاك حقوقهم مثل لجان الخبراء في منظمة العمل الدولية .
٢- دور المجتمع المدني والنقابات العمالية :
يمكن للمجتمع المدني والنقابات العمالية أن تلعب دورا مهما في حماية حقوق العمال . ويمكن تعزيز التضامن النقابي وتجنب الإنقسامات القائمة علي أسس سياسية..ويمكن توثيق انتهاكات حقوق العمل ونشرها علي المستوي الدولي والتنسيق مع المنظمات الدولية لضمان احترام حقوق العمال .
٣- التدابير العملية لتخفيف آثار تكوين حكومة موازية علي وضعية العمال في الدولة .
١- إنشاء آليات مستقلة لتسوية المنازعات العمالية بعيدا عن التجاذبات السياسية
٢- تعزيز دور القطاع الخاص في توفير الحماية الإجتماعية للعمال
٣- تطوير آليات بديلة للتأمين الصحي والاجتماعي للعمال مثل صناديق التأمين الخاصة أو التعاونية .
خامسا :- دراسة حالة مقارنة :
١- تجارب دول أخري شهدت إزدواجية في السلطة يمكن الاستفادة من تجاربها في هذا المجال مثل :-
ليبيا :- فقد شهدت ليبيا وجود حكومتين متنافستين وقد أثر ذلك الوضع علي وضعية العمال من جميع النواحي وبالتحديد عمال النفط
فنزويلا : شهدت أزمة سياسية أدت لوجود رئيسين متنافسيين مما أثر علي حقوق العمال وأدي إلي تدهور الوضع الاقتصادي .
هذه الدراسة لم تشمل الآثار المباشرة علي حركة تنقل العاملين في ظل سلطتين في مناطق مختلفه في السودان وتركت تلك للتفاصيل …وأري انه لابد أن يتضمن أي وقف لاطلاق النار تصميم عملية قانونية تحفظ حقوق العمال في السودان وتضمن إمكانية لجوئهم للقضاء المختص خاصة في وجود احتمالية واسعة للفصل التعسفي في ظل خطابين متناقضين ..وحقوق العمال الإجتماعية والصحية وفوائد ما بعد الخدمة وهجرة العقول إلي الجانب الأخر …

زر الذهاب إلى الأعلى