الرياضة

السياربي الخالد: ملحمة شباب بلوزداد عبر سبعة عقود من المجد والعطاء”

“

#image_title

#image_title
#image_title

كتب: معاوية أبوالريش
من أزقة حي لعقيبة العريق في قلب الجزائر العاصمة، وُلد حلم كروي أصبح واقعًا مجيدًا يحمل اسم نادي الشباب الرياضي لبلوزداد. في الخامس عشر من يوليو عام 1962، وبعد عشرة أيام فقط من نيل الاستقلال الذي طال انتظاره، شهدت الجزائر الحرة تأسيس أول نادي رياضي في عهدها الجديد، حاملاً في جيناته روح المقاومة وعبق التحرر الذي سكن أحياء العاصمة الشعبية.
كانت البداية من مقهى شعبي في حي ديار المحصول، حيث التقى يحيى سعدي مع رفاقه مسعود مراد ورشيد بودربال، وطرح عليهم فكرة جريئة تمثلت في دمج ناديين محليين هما الوداد الرياضي لبلكور المؤسس عام 1947 مع أتليتيك بلكور المؤسس عام 1950. لم تكن مجرد عملية دمج رياضية، بل كانت ولادة رمز وطني جديد يحمل آمال شعب يتطلع إلى بناء مستقبله على أنقاض الماضي الاستعماري. وقد أراد المؤسسون في البداية الإعلان عن النادي في الرابع عشر من يوليو، لكنهم أجّلوه يومًا واحدًا رفضًا لأي تشابه مع المناسبات الفرنسية، مؤكدين هويتهم الجزائرية منذ اللحظة الأولى.
حمل النادي اسم “شباب بلكور” في بداياته نسبة للحي الذي احتضن ولادته، قبل أن يتحول لاحقًا إلى “شباب بلوزداد” تيمنًا بالشهيد البطل محمد بلوزداد، أحد أبرز رموز الكفاح المسلح ضد الاستعمار. اختار النادي هويته البصرية بعناية فائقة، فالقميص الأبيض يرمز للنقاء والصفاء، بينما يتوسطه حرف V الأحمر الذي يجسد معنى النصر والانتصار، ليصبح هذا التصميم البسيط والمعبر علامة مميزة تُعرف في أرجاء القارة السمراء.
لم يكن طريق المجد مفروشًا بالورود، فالنادي الوليد واجه تحديات البدايات بعزيمة فولاذية وإصرار لا يلين. في الموسم الأول بدا الأداء متواضعًا، لكن الجولة الرابعة عشرة من موسم 1964-1965 شهدت انتفاضة حقيقية غيّرت مسار التاريخ. بعد انتصار مهم أمام الجمعية الوهرانية، انطلق الشباب في مسيرة أسطورية حقق خلالها تسعة انتصارات متتالية قفزت به من قعر الترتيب إلى القمة، محطمًا في طريقه كل التوقعات بنتائج مذهلة كالفوز على الموك بثمانية أهداف نظيفة وعلى ترجي مستغانم بأربعة أهداف مقابل هدف واحد. هكذا حقق شباب بلوزداد أول لقب في تاريخه بعد ثلاث سنوات فقط من التأسيس، ليسجل رقمًا قياسيًا كأسرع نادي يحرز البطولة الوطنية في الجزائر المستقلة.
استمر المشوار الذهبي بلا توقف، فجاء موسم 1965-1966 ليشهد تحقيق الثنائية الأولى في تاريخ الكرة الجزائرية بالجمع بين لقب الدوري وكأس الجمهورية، ثم تواصل العطاء في موسم 1966-1967 بتحقيق الدوري للمرة الثالثة. لكن الذروة الحقيقية جاءت في موسم 1969-1970 الاستثنائي، عندما حقق النادي إنجازًا لم يتكرر في التاريخ الجزائري بتحقيق الثلاثية المقدسة، حاصدًا الدوري وكأس الجزائر والكأس المغاربية للأندية البطلة في موسم واحد، وهو إنجاز جعله حديث الصحافة الرياضية العالمية.
على الصعيد القاري، رسم شباب بلوزداد معالم جديدة في خريطة الكرة الأفريقية، فأصبح أول نادي جزائري يخوض غمار المسابقات القارية عندما شارك في كأس أفريقيا للأندية البطلة موسم 1969-1970. وحقق الفريق هيمنة مطلقة على الكأس المغاربية للأندية البطلة بالفوز بها ثلاث مرات متتالية في 1970 و1971 و1972، مما جعل سمعته تتجاوز الحدود المغاربية لتصل إلى أوروبا، حيث خصصت جريدة ليكيب الفرنسية الشهيرة مساحات واسعة لتغطية أداء هذا النادي الظاهرة الذي أذهل الجميع بلعبه الجميل ونتائجه الاستثنائية.
غير أن مسيرة النجاح شهدت فترة عجاف امتدت من 1978 إلى 1995، رغم أن النادي ظل يحتل مراكز متقدمة في البطولة. كان موسم 1987-1988 الأقسى في تاريخ العملاق الأبيض، عندما ذاق مرارة الهبوط للدرجة الثانية للمرة الوحيدة، وخسر نهائي الكأس أمام الجار اتحاد العاصمة في ضربات ترجيح مؤلمة. ما زاد من قسوة تلك الفترة أن النادي كان يمتلك تشكيلة من النجوم أمثال ياحي وعماني ولعموري وخوجة وكبران وكوحيل ودمدوم، لكن الحظ لم يحالفه. إلا أن قوة التشكيلة نفسها كانت السبب في سرعة العودة، فلم يدم الغياب عن الأضواء أكثر من موسم واحد.
عاد الشباب للواجهة عام 1995 بقوة، محققًا ثنائية كأس الجزائر وكأس السوبر، ثم واصل مسيرته بألقاب الدوري في عامي 2000 و2001، ليدخل الألفية الجديدة كأول نادي جزائري يحقق البطولة المحترفة. في السنوات الأخيرة، شهد النادي نهضة حقيقية تمثلت في تحقيق عدة ألقاب دوري وكأسين في 2017 و2019، قبل أن يتوج بالكأس التاسعة عام 2024 في نهائي تاريخي أمام مولودية الجزائر، محققًا إنجازًا فريدًا كأكثر نادي تتويجًا بكأس الجزائر.
أنجب شباب بلوزداد كوكبة من النجوم الذين نقشوا أسماءهم بأحرف من نور في سماء الكرة الجزائرية والعربية. يتصدر هؤلاء الأسطورة الخالدة حسان لالماس، الذي وُلد في الثاني عشر من مارس 1943 وأمضى أفضل سنوات حياته الكروية مع النادي من 1964 إلى 1974. حقق لالماس مع الشباب أربعة ألقاب دوري وثلاثة ألقاب كأس وثلاثة ألقاب مغاربية، وسجل 150 هدفًا في الدوري ليصبح أفضل هداف في التاريخ الجزائري. على المستوى الدولي، كان لالماس نجمًا ساطعًا في المنتخب الوطني، حيث لعب 73 مباراة سجل خلالها 12 هدفًا وفقاً للإحصائيات الرسمية، وكان صاحب أول هدف للخضر في كأس أمم أفريقيا أمام أوغندا في نهائيات إثيوبيا 1968، حيث أبدع بتسجيل ثلاثية مذهلة واختير أفضل لاعب في البطولة.
إلى جانب لالماس، ضم النادي نجومًا آخرين تركوا بصماتهم في التاريخ، منهم مختار كالام الذي لعب كوسط هجومي من 1964 إلى 1974، وحقق معه ثلاثة ألقاب كأس وثلاثة ألقاب مغاربية، ومثل المنتخب في 25 مباراة سجل خلالها تسعة أهداف. كما برز جيلالي السالمي كأكثر اللاعبين مشاركة في تاريخ النادي، والحارس محمد عبروق، ومصطفى دحلب، وحسان جمعة، وأحمد زيتون، وحسان عاشور، الذين شكلوا العمود الفقري للمنتخب الوطني في العقود الأولى للاستقلال.
يحمل شباب بلوزداد رقمًا قياسيًا استثنائيًا في علاقته بالمنتخب الوطني، فقد كان أول وآخر نادي جزائري يساهم بتسعة لاعبين أساسيين للمنتخب في فترة واحدة، والنادي الوحيد الذي قدم سبعة لاعبين للمشاركة في بطولة رسمية واحدة هي كأس أمم أفريقيا 1968. في الستينات الذهبية، كان المنتخب الجزائري يعتمد على عشرة لاعبين من شباب بلوزداد، مما يؤكد الدور المحوري للنادي في تشكيل الهوية الكروية للجزائر الفتية.
يحتضن ملعب 20 أوت 1955 بالعناصر مباريات النادي منذ عقود، وهو ملعب يحمل تاريخًا نضاليًا عميقًا شهد أصداء خطب مصالي الحاج التاريخية. رغم سعته المحدودة التي لا تتجاوز عشرة آلاف متفرج، يُطلق عليه الأنصار لقب “الكوزينة” بمحبة وفخر، حيث تتحول هذه المساحة الصغيرة إلى مرجل حماسي حقيقي عندما يلتقي أبناء لعقيبة بجمهورهم العاشق الذي يملأ المدرجات بالألوان والأناشيد الوطنية.
استطاع شباب بلوزداد عبر مسيرته الطويلة تحطيم كل الحواجز وتسجيل أرقام قياسية لم يحققها أي نادي جزائري آخر. فهو صاحب أول ثنائية في التاريخ عام 1966، وأول ثلاثية عام 1970، وأول نادي يحقق بطولة خارج الجزائر، وأول من خاض المسابقات القارية، وأول من فاز بالكأس عبر الأشواط الإضافية وضربات الترجيح في مناسبات مختلفة. كما أنه النادي الوحيد الذي حقق بطولتين متتاليتين في ثلاث فترات مختلفة من تاريخه.
يقف شباب بلوزداد اليوم في مصاف عمالقة الكرة الجزائرية برصيد مذهل من الإنجازات، حيث يحتل المرتبة الثانية في ترتيب الأندية الأكثر تتويجًا بالدوري الجزائري بعشرة ألقاب، ويتربع على عرش الأكثر تتويجًا بكأس الجزائر بتسعة ألقاب، متفوقًا على جميع منافسيه التقليديين. أما قاريًا، فيحتفظ بالكأس المغاربية التي حققها ثلاث مرات متتالية، بالإضافة إلى وصوله لنصف نهائي كأس العرب للأندية الأبطال وكأس الكؤوس الأفريقية.
جماهير “أبناء لعقيبة” تمثل قلب النادي النابض، فهي ليست مجرد مشجعين عاديين، بل حراس تراث وتاريخ عريق يمتد جذوره إلى أعماق النضال الجزائري. يستمد هؤلاء الأنصار قوتهم من انتمائهم لحي لعقيبة التاريخي الذي انطلقت منه مظاهرات 11 ديسمبر 1960 الشهيرة، ويحملون في قلوبهم حبًا جارفًا لناديهم يتجاوز حدود الرياضة ليصل إلى مستوى الانتماء الوطني العميق. هذا الجمهور المتميز لا يقتصر على العاصمة وحدها، بل يمتد عبر ربوع الوطن وحتى في بلدان المهجر، حيث يحمل أبناء الجالية الجزائرية ألوان الشباب بفخر واعتزاز.
منذ أكثر من ستة عقود على تأسيسه، ما يزال شباب بلوزداد يمثل أكثر من مجرد نادي رياضي، فهو رمز للكبرياء الوطني والإرادة الحديدية التي لا تنكسر. في كل مباراة يخوضها، وفي كل لقب يحققه، وفي كل جيل جديد ينضم إلى صفوفه، يؤكد السياربي أنه جزء لا يتجزأ من هوية الجزائر الحديثة وشاهد حي على قدرة هذا الشعب العظيم على تحقيق المستحيل عندما تجتمع العزيمة والإيمان والانتماء في قلب واحد ينبض بحب الوطن والرياضة.

زر الذهاب إلى الأعلى