الرياضة

شركة مدار: الراعي الذهبي الذي أعاد بريق “السياربي” إلى الواجهة”

#image_title

#image_title

كتب:معاوية أبوالريش
في رحاب التاريخ الكروي الجزائري العريق، تتألق قصة استثنائية تحكي عن نهضة حقيقية شهدها أحد أعرق الأندية الوطنية. إنها ملحمة شراكة استراتيجية نسجت خيوطها شركة مدار القابضة مع نادي شباب بلوزداد، تلك الشراكة التي بدأت في الخامس عشر من أكتوبر عام 2018، لتشكل منعطفاً جذرياً في مسيرة “السياربي” العتيد. فمن غياهب سنوات الظمأ للألقاب، انبثق فجر جديد تُوج بسلسلة ذهبية من الإنجازات المتتالية التي أعادت للنادي العريق مكانته الرفيعة على عرش الكرة الجزائرية.
الشراكة التاريخية: نقطة تحول في مسيرة العملاق
تُمثل شركة مدار القابضة، هذه المؤسسة الوطنية العريقة التي انبثقت من رحم إعادة هيكلة الشركة الوطنية التاريخية للتبغ والكبريت التي أُسست عام 1963، نموذجاً فريداً للرؤية الاستثمارية الطموحة. وقد اتخذت هذه الشركة قراراً استراتيجياً جريئاً بتوجيه استثماراتها نحو الرياضة الوطنية الجزائرية ، فكان أن أضحت في الخامس عشر من أكتوبر 2018 المساهم الأكبر في النادي العريق بحصولها على 67% من أسهم الشركة الرياضية لشباب بلوزداد.
لقد شكلت هذه اللحظة التاريخية مفترق طرق حاسماً في مسيرة النادي الذي كان يخوض غمار أزمة حقيقية بعد عقود من التألق. إذ لم تقتصر رؤية مدار على مجرد الضخ المالي العابر، بل تجاوزت ذلك لترسم ملامح استراتيجية شاملة ومدروسة لبعث الروح في أوصال النادي العتيد وإعادة ترسيخ مكانته السامية بين أقطاب الكرة الوطنية.
حصاد الذهب: عصر التتويجات المجيدة
لم تطل المدة حتى بدأت ثمار هذه الشراكة الاستراتيجية تتجلى في صورة إنجازات مبهرة ألقت بظلالها على المشهد الكروي الوطني. فمنذ أن تولت مدار مقاليد النادي، شرع “السياربي” في حصد سلسلة ذهبية من الألقاب النفيسة شملت:
ألقاب الدوري الجزائري:
– بطولة الدوري 2019-2020 (تُوج بها إدارياً بعد توقف المسابقة وهو في الصدارة بسبب جائحة كورونا)
– بطولة الدوري 2020-2021
– بطولة الدوري 2021-2022
– بطولة الدوري 2022-2023
كؤوس الجمهورية:
– كأس الجزائر 2019
– كأس الجزائر 2024 (الكأس التاسعة في تاريخه المجيد)
إنجازات أخرى:
– كأس السوبر الجزائري 2020
هذه السلسلة الذهبية من الانتصارات المتتالية لم تأتِ ثمرة الصدفة أو المزاج العابر، بل كانت نتاجاً طبيعياً لاستراتيجية محكمة النسج وضعتها شركة مدار لإعادة بناء صرح النادي من أسسه. إذ لم تكتفِ الشركة العملاقة بتوفير الدعم المالي السخي، بل حرصت كذلك على الاستثمار في تطوير البنية التحتية والمواهب الواعدة، إلى جانب استقدام أرقى الكفاءات التدريبية والإدارية.
العودة القارية: استئناف المسيرة الأفريقية المجيدة
لم تقتصر طموحات شركة مدار الجبارة على حدود الساحة المحلية، بل امتدت بجناحيها الواثقين نحو الآفاق القارية الرحبة. فبفضل المستوى الرفيع الذي بلغه الفريق تحت الرعاية المدارية، استطاع “السياربي” أن يستعيد حضوره المشهود في المحافل الأفريقية المرموقة، حيث شارك في بطولة دوري أبطال أفريقيا وكأس الكونفدرالية الأفريقية، معيداً بذلك إحياء تقليده التاريخي العريق كأول نادٍ جزائري خاض غمار المنافسات القارية عام 1970.
إن هذا الحضور القاري المتجدد لم يكن مجرد مشاركة شكلية أو رمزية، بل جاء تجسيداً حقيقياً للمستوى الفني الرفيع الذي ارتقى إليه الفريق بفضل الاستثمارات الذكية والمدروسة التي ضختها شركة مدار في تعزيز القدرات الفنية والتكتيكية لنجوم الفريق.
الاستثمار في المستقبل: بناء أجيال الغد
من أسمى الرؤى الاستراتيجية التي تبنتها شركة مدار، كان إيلاؤها اهتماماً خاصاً بالاستثمار في المواهب الناشئة من خلال تطوير مرافق تكوين الشباب والاهتمام بالأجيال الصاعدة. وقد جسدت هذه الرؤية الثاقبة إيمانها العميق بأن مستقبل الكرة الجزائرية يكمن في إعداد جيل جديد من المواهب الواعدة القادرة على حمل راية النجاح والتألق.
إن هذا التوجه الاستراتيجي نحو الاستثمار في البراعم الذهبية لا يمثل فحسب استثماراً في البنية التحتية الرياضية، بل يجسد رؤية مستقبلية عميقة لصناعة أجيال متتالية من المواهب الجزائرية الاستثنائية. وتكريماً لذكرى أحد أعظم أساطير النادي والكرة الجزائرية، تحتفظ ذاكرة النادي بأمجاد الراحل حسان لالماس، هذا العملاق الذي وُلد في 12 مارس 1943 وغادرنا في 7 يوليو 2018، والذي يُعتبر أحد أبرز النجوم في تاريخ “السياربي” والكرة الجزائرية قاطبة.
الصفقات النوعية: استقطاب النجوم إلى “الكوزينة”
في إطار استراتيجيتها الطموحة لتعزيز القدرات التنافسية للفريق، لم تتوان شركة مدار عن ضخ استثمارات سخية لاستقطاب أبرز المواهب إلى صفوف شباب بلوزداد. ومن أحدث هذه الإنجازات التعاقدية كان نجاح إدارة النادي مؤخراً في حسم صفقة اللاعب الدولي الجزائري فريد الملالي، الذي انضم للفريق بعقد يمتد لخمسة أعوام كاملة. في أكبر صفقة في تاريخ البطولة الجزائرية.
فريد الملالي، هذا النجم صاحب الثمانية وعشرين ربيعا والذي قضى سبعة مواسم زاخرة في أروقة الدوري الفرنسي مع نادي أنجيه، كان محط أنظار عدة أندية مرموقة بما فيها نادي الزمالك المصري العتيد. غير أن براعة إدارة شباب بلوزداد ودهاءها التفاوضي مكنها من حسم هذه الصفقة النوعية لصالحها في صفقة انتقال حر مدروسة.
ولم تقف مساعي الإدارة عند هذا الحد، بل واصلت مساعيها الحثيثة لتعزيز صفوف الفريق بضم كوكبة من النجوم البارزين أمثال المهاجم التونسي محمد علي بن حمودة، والمهاجم الألباني ريدون جيجا، فضلاً عن صانع الألعاب البارع جابر كعسيس.
الاستقرار الإداري: أساس النجاح
تحت إشراف رئيس مجلس الإدارة شرف الدين عمارة، وضعت شركة مدار استراتيجية إدارية محكمة لضمان الاستقرار والتطوير المستمر. تم تعيين توفيق قريشي مديراً للقطب التنافسي وناطقاً رسمياً للنادي، مما ضمن وجود رؤية واضحة ومتسقة لتطوير الفريق.
هذا الاستقرار الإداري انعكس بشكل مباشر على الأداء الفني للفريق، حيث تمكن من تحقيق أربعة ألقاب متتالية في البطولة الوطنية، وهو إنجاز تاريخي لم يحققه أي نادٍ جزائري من قبل.
البُعد الاجتماعي: أكثر من مجرد استثمار رياضي
لم تقتصر مساهمات شركة مدار على الجانب الرياضي فحسب، بل امتدت لتشمل أبعاداً اجتماعية مهمة. فخلال جائحة كورونا عام 2020، قدمت الشركة تبرعات طبية قيمة للمستشفيات الجزائرية شملت أجهزة التنفس الاصطناعي وأجهزة مراقبة القلب، مما يعكس حس المسؤولية الاجتماعية العالي لدى الشركة.
هذه المبادرات الإنسانية أكدت أن شركة مدار ترى في استثمارها الرياضي وسيلة للمساهمة في التنمية الشاملة للمجتمع الجزائري، وليس مجرد عمل تجاري.
نموذج ملهم للشراكة بين القطاع العام والرياضة
تجربة شركة مدار مع شباب بلوزداد تمثل نموذجاً مثالياً لما يمكن أن تحققه الشراكة الذكية بين المؤسسات الوطنية والأندية الرياضية. فالشركة، التي تعد من أكبر الشركات القابضة في الجزائر ولها استثمارات متنوعة في القطاعات الصناعية والزراعية والمالية، أثبتت أن الاستثمار في الرياضة ليس فقط مربحاً مالياً، بل يساهم أيضاً في بناء الهوية الوطنية وإلهام الشباب.
الرقم القياسي: إنجاز تاريخي بأربعة ألقاب متتالية
في إنجاز يُحفر بأحرف من ذهب في سجلات كرة القدم الجزائرية، استطاع شباب بلوزداد تحت الرعاية المدارية أن يحطم الأرقام القياسية بتحقيقه أربعة ألقاب متتالية في بطولة الدوري، وهو إنجاز تاريخي لم يبلغ إليه أي نادٍ جزائري من قبل في تاريخ الكرة الوطنية.
كما رسخ النادي العريق مكانته المتميزة بتربعه على عرش الأندية الأكثر تتويجاً بكأس الجزائر برصيد تسع كؤوس نفيسة، ليصبح بذلك النادي الأوحد الذي يحتكر هذا الرقم القياسي. أما على صعيد بطولة الدوري، فقد بلغ رصيده عشرة ألقاب ثمينة، مما جعله يحتل المرتبة الثانية في قائمة الأندية الأكثر تتويجاً بالبطولة الوطنية، متجاوزاً بذلك أندية عريقة مثل اتحاد العاصمة ووفاق سطيف ومولودية الجزائر.
التأثير على المستوى الوطني
نجاح تجربة شركة مدار مع شباب بلوزداد فتح المجال أمام شركات وطنية أخرى للاستثمار في الرياضة، مما ساهم في رفع مستوى المنافسة في البطولة الجزائرية بشكل عام. فالنموذج الناجح الذي قدمته مدار أثبت أن الاستثمار المدروس والطويل المدى يمكن أن يحقق نتائج استثنائية.
التحديات والآفاق المستقبلية
رغم النجاحات الكبيرة المحققة، تواجه شراكة مدار وشباب بلوزداد تحديات مستقبلية مهمة، أبرزها الحاجة لتطوير الملعب الحالي “20 أوت 1955″ المعروف بـ”الكوزينة” والذي لا تتجاوز سعته 10,000 متفرج. كما تسعى الإدارة لمواصلة الاستثمار في الكفاءات التدريبية والتقنية لضمان استمرارية التفوق.
على الصعيد القاري، يطمح النادي لتحقيق إنجازات أكبر في المسابقات الأفريقية، خاصة أنه يملك تاريخاً عريقاً في هذه المنافسات منذ كونه أول نادٍ جزائري يشارك في مسابقة قارية عام 1970.
الدروس المستفادة: أهمية الرعاية الوطنية
قصة نجاح شركة مدار مع شباب بلوزداد تقدم دروساً قيمة حول أهمية دور الشركات الوطنية في دعم الرياضة. فالاستثمار المدروس والرؤية طويلة المدى، إلى جانب الإدارة المهنية والشفافية في التسيير، كلها عوامل ساهمت في تحويل النادي من مرحلة الأزمة إلى مرحلة الازدهار.
كما أثبتت التجربة أن الرعاية الوطنية للأندية لا تقتصر على الفوائد المالية فحسب، بل تساهم في بناء الهوية الوطنية وإلهام الشباب وتعزيز الانتماء للوطن.
خلاصة: شراكة ناجحة تكتب التاريخ
شراكة شركة مدار القابضة مع نادي شباب بلوزداد تمثل نموذجاً مثالياً لما يمكن أن تحققه المؤسسات الوطنية عندما تؤمن بأهمية الاستثمار في الرياضة. فمنذ عام 2018، تحول “السياربي” من نادٍ يبحث عن هويته إلى قوة لا يستهان بها في الكرة الجزائرية والأفريقية.
إن إنجازات شباب بلوزداد في عهد شركة مدار – من الألقاب المتتالية إلى عزمها على إنشاء أكبر مركز تكوين في أفريقيا، ومن الصفقات النوعية إلى المبادرات الاجتماعية – كلها تؤكد أن الاستثمار الذكي في الرياضة يمكن أن يحقق عوائد متعددة الأبعاد: رياضية واجتماعية واقتصادية.
وبينما يواصل النادي رحلته نحو تحقيق مزيد من الإنجازات، تبقى شراكة مدار وشباب بلوزداد مثالاً يُحتذى به في كيفية إعادة إحياء الأندية العريقة وإعادتها لمكانتها الطبيعية في خريطة الكرة العربية والأفريقية.

زر الذهاب إلى الأعلى