
تصريحات البرهان الأخيرة، التي نفى فيها وجود أي مفاوضات مع الدعم السريع في البحرين أو كيغالي، تأتي في وقت دخلت فيه الحرب عامها الرابع دون أي حسم عسكري حقيقي. وهنا يجب أن يُطرح السؤال بوضوح وبعيدًا عن العاطفة: إلى أين يقود هذا المسار السودان؟
بعد سنوات من القتال، أصبح واضحًا أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى استنزاف شامل للدولة والمجتمع والجغرافيا. كل يوم تستمر فيه الحرب، تتوسع مناطق النفوذ، وتضعف سلطة الدولة المركزية، وتقترب البلاد أكثر من سيناريوهات الانقسام الواقعي حتى لو لم يُعلن رسميًا.
المشكلة ليست فقط في غياب الحسم العسكري، بل في غياب الرؤية السياسية. فالدول لا تُدار بالحرب وحدها، والجيوش لا تستطيع وحدها معالجة أزمة بهذا التعقيد. وحين تستمر القيادة في إدارة الصراع بنفس الأدوات ونفس الخطاب رغم تغير الوقائع على الأرض، فإن النتيجة الطبيعية هي فتح الباب أمام تفكك الدولة تدريجيًا.
لهذا، أصبح من حق السودانيين أن يناقشوا بصراحة مسألة قيادة المرحلة نفسها. ليس من باب العداء الشخصي للبرهان، بل من باب الخوف على السودان. فأحيانًا يكون تنحي القائد أو تغيير القيادة خطوة لإنقاذ الدولة، لا هزيمة لها.
التجارب حول العالم تؤكد أن الإصرار على الاستمرار في حرب بلا أفق سياسي غالبًا ما ينتهي بفرض وقائع جديدة على الأرض: حدود نفوذ، سلطات موازية، وانقسامات يصعب التراجع عنها لاحقًا. وعندما تصل الدول إلى تلك المرحلة، يصبح ثمن الوحدة أعلى بكثير من ثمن التسوية المبكرة.
السودان اليوم لا يحتاج مزيدًا من المكابرة أو الشعارات، بل يحتاج قيادة تمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بأن الحل العسكري وحده فشل، وأن إنقاذ ما تبقى من الوطن أهم من أي حسابات سلطة أو صورة شخصية.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس الهزيمة العسكرية، بل أن يستيقظ السودانيون يومًا ويجدوا أن الانفصال الجديد أصبح أمرًا واقعًا فُرض عليهم بعد سنوات من الدم والخراب.



