الرياضة

الهلال السوداني.. عندما تصطدم الأحلام بواقع التدريب المتواضع”

كتب: معاوية أبوالريش
في مشهد يثير الدهشة والاستغراب، اكتفى الهلال السوداني بالتعادل الإيجابي أمام مقديشو سيتي الصومالي في افتتاحية مشواره ببطولة سيكافا، في نتيجة تُعتبر بمثابة صفعة مدوية لطموحات الجماهير الهلالية وآمالها العريضة. فبعد موسم حافل بالاستثمارات الضخمة والتعاقدات النوعية التي أثارت حماس المتابعين وبثت في نفوسهم روح التفاؤل، جاءت هذه النتيجة لتطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة الطاقم الفني الحالي على استثمار هذا الكم الهائل من المواهب والإمكانيات.
لقد شهدت الفترة الماضية عملية تدعيم حقيقية لصفوف الفريق، حيث نجحت إدارة النادي في ضم لاعبين محترفين من عيار رفيع، قادرين نظرياً على إحداث نقلة نوعية في أداء الفريق وتحقيق النتائج المرجوة. غير أن ما شهدته أرضية الملعب كان مخيباً للآمال بكل المقاييس، إذ بدا واضحاً أن هناك فجوة شاسعة بين الإمكانيات المتاحة والاستفادة الفعلية منها، وهو ما يضع المدرب الروماني ريجكامب في قفص الاتهام.
إن المتابع لمجريات اللقاء لا يمكنه إلا أن يلحظ غياب البصمة التدريبية الواضحة، تلك البصمة التي من المفترض أن تظهر جلياً بعد فترة إعداد كافية في تنزانيا. فالفريق الصومالي، رغم تواضع إمكانياته وقلة خبرته على المستوى القاري، تمكن من فرض إيقاعه على مجريات اللعب لفترات طويلة، بل وتقدم بهدف من ركلة جزاء سددها في مرمى علي عبدالله أبوعشرين، ليضع الهلال في موقف محرج أمام جماهيره التي كانت تتوقع انتصاراً ساحقاً.
والأمر الأكثر إثارة للقلق هو طبيعة الأداء التكتيكي الذي قدمه الفريق، حيث افتقر إلى الوضوح في الرؤية والتنظيم في الحركة، وهو ما يعكس قصوراً واضحاً في الجانب التدريبي والإعدادي. فعلى الرغم من وجود لاعبين ذوي قدرات فنية عالية، إلا أن عدم القدرة على صهرهم في بوتقة واحدة وتوجيه طاقاتهم بالشكل الأمثل يكشف عن محدودية في الرؤية التدريبية وضعف في الأدوات التكتيكية.
إن نادياً بحجم وتاريخ الهلال السوداني لا يمكن أن يقبل بمثل هذه النتائج أمام فرق تُعتبر من أضعف المشاركين في البطولة، خاصة وأن المجموعة تضم أيضاً فرقاً مثل كتور جوبا والأهلي مدني، وهي فرق يُفترض أن يتفوق عليها الهلال بسهولة نسبية. والأمر الأكثر إثارة للسخرية أن هذه النسخة من البطولة تشهد غياباً لافتاً للأندية الكبيرة والعريقة في منطقة وسط وشرق أفريقيا، تلك الأندية التي طالما شكلت عقدة حقيقية في مسيرة الهلال القارية، مثل سيمبا والشباب التنزانيين وقورماهيا الكيني والجيش الرواندي وكمبالا سيتي والإكسبريس اليوغنديين، وغيرها من الفرق التي نجحت في إحراز لقب البطولة مراراً وتكراراً بينما ظل الهلال عاجزاً عن الظفر بها رغم مشاركاته المتكررة عبر السنين. فإذا كان الهلال قد أخفق في مواجهة هذه القامات الكروية، فما العذر في التعثر أمام فرق أقل شأناً بمراحل؟
لكن ما حدث يشير إلى أن المشكلة أعمق من مجرد عدم انسجام اللاعبين الجدد مع القدامى أو غياب بعض العناصر المهمة بسبب التزاماتهم مع المنتخب الوطني. لقد باتت الشكوك تحيط بقدرات المدرب الروماني على قيادة مشروع نادٍ طموح مثل الهلال، فالاختيارات التي اعتمد عليها في هذا اللقاء الافتتاحي تثير علامات استفهام كبيرة حول مدى إلمامه بإمكانيات لاعبيه وقدرته على وضع التشكيلة المثلى التي تحقق أفضل استفادة من الاستثمارات الضخمة التي ضختها الإدارة في الميركاتو الصيفي. وفي هذا السياق، تبرز مقارنة مؤلمة مع ما فعلته إدارة الأهلي المصري مؤخراً، حين تعاقدت مع المدرب الإسباني خوسيه ريفيرو ليخلف المدرب السويسري مارسيل كولر بعد تراجع النتائج، وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً: إذا كانت إدارة نادٍ عريق مثل الأهلي المصري تتخذ قرارات حاسمة وسريعة عند تعثر النتائج، فماذا تنتظر إدارة الهلال السوداني؟
إن التعادل أمام مقديشو سيتي ليس مجرد نتيجة مخيبة للآمال، بل هو فضيحة كروية حقيقية في ظل الغياب الكامل للعمالقة الأفارقة من هذه النسخة، والتي كان من المفترض أن تمنح الهلال فرصة ذهبية لا تعوض لحصد لقبه الأول في هذه البطولة بعد عقود من الإخفاقات والخيبات. فبدلاً من استغلال هذه الفرصة التاريخية واكتساح مجموعة تضم فرقاً مغمورة لا ترقى لمستواه التقليدي، وجد الهلال نفسه في موقف محرج يستدعي وقفة جادة من جانب إدارة النادي لإعادة تقييم الوضع الفني قبل أن تضيع هذه الفرصة الاستثنائية وتتحول إلى كابوس آخر في سجل إخفاقات الفريق القارية. فالجماهير التي استبشرت خيراً بالتعاقدات الجديدة تستحق أداءً يليق بتاريخ النادي العريق وطموحاته المشروعة، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل الواقع التدريبي الحالي.

زر الذهاب إلى الأعلى