الأعمدة

ابليس : تارةً يطلّ في هيئة شيخ يوزّع الفتاوى المسمومة باسم الدين، وتارةً في هيئة سياسي يعد بالنصر وهو يبيع الدم، وتارةً في هيئة قائد مليشيا يوزّع البنادق

إبليس لا يُقاس كما تُقاس الأجساد. حجمه ليس في طولٍ ولا عرض، بل في اتساعه داخل أرواح البشر. يكبر بقدر ما يفسحون له الطريق، ويتمدّد بقدر ما يسلمونه عقولهم. في السودان تضخّم حجمه حتى صار بحجم الوطن نفسه، يلتف على الخرطوم كما تلتف الحيّة على فريستها، ويزحف على القرى في دارفور وكردفان والجزيرة، حتى لم يبقَ بيت إلا وترك فيه أثرًا من جمره.
وشكله… ما أكثر أشكاله. هو لا يحتاج إلى قرون ولا ذيل، يكفيه أن يستعير وجوه البشر. تارةً يطلّ في هيئة شيخ يوزّع الفتاوى المسمومة باسم الدين، وتارةً في هيئة سياسي يعد بالنصر وهو يبيع الدم، وتارةً في هيئة قائد مليشيا يوزّع البنادق كما يوزّع التجار السكر والملح. شكله في السودان اليوم هو وجه الحرب نفسها: وجهٌ بلا ملامح، مغموس في الغبار والدم.
أما وزنه، فليس من لحمٍ ولا عظم، بل من الأرواح التي أُزهقت. وزنه هو صرخة أم فقدت أبناءها، ودمعة طفل يبحث عن الخبز، وأنين عجوز تُركت بين الركام. كل طلقةٍ أطلقها دعاة الحرب أضافت رطلاً جديدًا إلى كاهل إبليس، حتى أثقل البلاد بميزانٍ من الدم لا يحتمله جبل.
وحين نفكر، ندرك أن إبليس ليس بعيدًا، ولا غريبًا، إنه يسكن فينا بقدر ما نسمح له. دعاة الحرب لم يخلقوا الشيطان، بل استعاروا صفاته. أخذوا من حجمه ليجعلوا الشر أوسع من الجغرافيا، وأخذوا من شكله ليتخفوا وراء الشعارات، وأخذوا من وزنه ليزيدوا المعاناة حتى غدت أثقل من صبر الناس.
لكن الحقيقة أن إبليس لا يعيش إلا حيث يجد موطئًا. إذا أدار الناس ظهورهم له، صَغُر حجمه حتى يتلاشى، وانكشف شكله حتى يفتضح، وخف وزنه حتى يصبح عدمًا. الحرب ليست قدرًا، بل عقد مع إبليس… عقدٌ لا ينقطع إلا حين يرفض الناس أن يكونوا جنوده.
#حرب_الندامة
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية

زر الذهاب إلى الأعلى