

كتب: معاوية أبوالريش
انطفأت شعلة أمل أخرى من أحلام الكرة السودانية على أرض داكار، حيث سقط منتخب السودان أمام نظيره السنغالي بهدفين نظيفين في الجولة السابعة من التصفيات الأفريقية المؤهلة لنهائيات كأس العالم، ليتجمد رصيد صقور الجديان عند اثنتي عشرة نقطة، بينما ترتقي أسود الترنجا إلى خمس عشرة نقطة في سباق محموم مع منتخب الكونغو الديمقراطية من أجل خطف بطاقة التأهل الثمينة.
لم تكن المباراة مجرد لقاء كروي عادي، بل كانت امتحاناً حقيقياً لطموحات منتخب يحلم بكسر حاجز المحاولات الفاشلة المتكررة للوصول للمونديال ، غير أن الواقع كان أقسى من الأحلام، حيث فرض أسود الترنجا سيطرة شبه مطلقة على مجريات الشوط الأول، مستغلين خبرتهم وتفوقهم التكتيكي ليتقدموا بهدف مبكر عبر قائدهم كوليبالي، مدافع نادي الهلال السعودي، من ضربة ثابتة أخطأ في التعامل معها الحارس محمد النور أبوجا بشكل فادح، قبل أن يضيف السنغاليون الهدف الثاني من خطأ دفاعي جسيم كشف هشاشة الخط الخلفي السوداني.
طوال الشوط الأول، بدا المنتخب السوداني كالغريق الذي يبحث عن قشة إنقاذ، فلم يستطع تهديد مرمى الحارس إدوارد ميندي ولو لمرة واحدة، وكأن خطوط اللعب الثلاثة تعيش في عوالم منفصلة، دون تناغم أو انسجام تكتيكي يذكر. وإذا كان الشوط الثاني قد شهد تحسناً نسبياً في الأداء السوداني، فإن هذا التحسن لم يترجم إلى فرص حقيقية أو إزعاج فعلي لمرمى السنغال، ليبقى الحلم السوداني أسير التنفيذ الضعيف والقرارات التكتيكية المثيرة للجدل.
لقد كشفت المباراة عن مواطن ضعف جوهرية في تشكيل المنتخب الوطني، أبرزها الأداء المتواضع للحارس أبوجا، الذي ظهر ضعيفاً بشكل مؤسف في التعامل مع الكرات الهوائية والمعكوسة، وكاد يتسبب في كارثة أكبر بخروجاته الخاطئة المتكررة التي لم تنقذها سوى عناية إلهية. كما أن الاختيارات التكتيكية للمدرب الغاني كواسي أبياه تثير علامات استفهام كبيرة، خاصة دفعه بعبد الرحمن كوكو في وسط الملعب دون أن يقدم الإضافة المرجوة دفاعياً أو هجومياً، واختياره لأبوبكر عيسى وشقيقه محمد عيسى في المقدمة الهجومية رغم عدم تناسبهما مع طبيعة هذا اللقاء الذي كان يتطلب أختيار لاعبين يتمتعون بالسرعة والمهارة والقدرة على التحولات السريعة في المقدمة الهجومية ، وهي صفات متوفرة في لاعبين مثل الجزولي نوح وجون مانو.
إن إصرار أبياه على تأخير التبديلات يثير الدهشة والاستغراب، فدخول جون مانو ومحمد آدم في الدقيقة التاسعة والثمانين لا يمكن وصفه إلا بالعبثي، خاصة وأن ضعف المقدمة الهجومية كان واضحاً منذ دقائق الشوط الأول الأولى. هذه القرارات المتأخرة تعكس نقصاً في الرؤية التكتيكية وعدم قدرة على قراءة مجريات المباراة بالشكل المطلوب من مدرب في هذا المستوى.
وبينما يحتفل الكونغوليون بصدارتهم للمجموعة الثانية برصيد ست عشرة نقطة بعد اكتساحهم لجنوب السودان برباعية مقابل هدف يتيم في جوبا، يقف السودان أمام حقيقة مرة مفادها أن حلم الوصول الى كأس العالم قد يكون تبخر نهائياً. فلو نظرنا بعين التحليل الموضوعي، لوجدنا أن صقور الجديان كان بإمكانهم دخول لقاء السنغال في داكار وفي رصيدهم ست عشرة نقطة، لو حصدوا نقاط مباراتهم مع منتخب جنوب السودان وفازوا على المنتخب السنغالي في بنغازي، وهو أمر كان في المتناول تماماً. لكن رعونة اللاعبين وإهدارهم للفرص السهلة في تلك المباراة أضاعت على المنتخب حصد النقاط الثلاث كاملة أمام منتخب السنغال العنيد، تماماً كما فقدوا نقطتين ثمينتين بالتعادل أمام جنوب السودان في بنغازي، عندما تفنن اللاعبون في إضاعة فرص ذهبية كانت كفيلة بتغيير مجرى التصفيات بأكملها.
لا يمكن إنكار أن غياب الحارس الدولي محمد المصطفى والقائد محمد عبد الرحمن الغربال بسبب الإصابة قد أثر سلباً على التوازن العام للمنتخب ، لكن هذا لا يبرر الأداء المخيب الذي قدمه المنتخب اليوم امام السنغال . كما أن غموض قضية عدم مشاركة اللاعب الدولي أبو عاقلة عبد الله يثير تساؤلات عن مدى جدية التحضيرات وحسن التنظيم من قبل الاتحاد السوداني لكرة القدم.
هنا تبرز مسؤولية الاتحاد السوداني الثقيلة في ضياع حلم شعب بأكمله، فعدم توفير معسكر إعدادي ومباريات تحضيرية قوية قبل خوض هذا اللقاء المصيري يعكس إهمالاً مؤسسياً لا يليق بمنتخب يحمل آمال أمة. إن هذا المنتخب، بما يمتلكه من إمكانات ومواهب، قادر على صنع المعجزات لو توفرت له الإمكانات اللازمة من معسكرات إعدادية متقنة ومواجهات ودية مع منتخبات قوية تصقل مهاراته وتعده للاستحقاقات الكبيرة.
إن الكرة السودانية تقف اليوم على مفترق طرق حاسم، والدروس المستفادة من هذه الخيبة يجب أن تكون نبراساً لمستقبل أفضل، فالمواهب موجودة والإمكانات متاحة، لكن ما ينقص هو التخطيط السليم والإعداد المتقن والرؤية الإستراتيجية الواضحة التي تحول الأحلام إلى حقائق على أرض الملعب.



