الأخبار

حقيقة تأريخية صادمة : السودان منذ استقلاله كان دولة تطبق العلمانية!!!

محمد الفاتح حضرة
خلال العقود الأربعة الأخيرة ، قد عايش السودان تجربة مريرة من المتاجرة وإستغلال الدين في السياسة، ولكن من المهم أن ندرك حقيقة ما كان عليه حال السودان عبر تاريخه.
😱في الحقيقة، كان السودان منذ استقلاله في عام 1956، يطبق نموذجاً فريداً من العلمانية، ربما لم يتم النص عليها بالاسم أو كتابتها في الدستور أو الوثيقة الدستورية ، ولكن ذلك كان قد تم عبر الممارسة والتطبيق والواقع العملي والممارسة الفعلية بشأن إصدار التشريعات والقوانين واللوائح.
🛑لمحة تأريخية:-
لقد نشأت العلمانية في أوروبا كرد فعل مباشر على استبداد الكنيسة وسيطرتها على كل جوانب الحياة، من السياسة إلى العلم.
كان الباباوات يمتلكون سلطة مطلقة علي كل شئون الدولة، بل وحتي علي كل مايتعلق بالعلم والمعرفة والثقافة وكانت لهم محاكمهم الخاصة (محاكم التفتيش) التي كانت تتصدى للمفكرين والعلماء.

هذا الصراع هو ما دفع الأوروبيين إلى المناداة بتطبيق العلمانية ، وهي ببساطة تعني فصل الدين عن الدولة بشكل حاد.
أما في السودان، لم نكن بحاجة إلى هذا الصراع لنفصل الدين عن السياسة. لأننا كنا قد أوجدنا نموذجنا الخاص للعلمانية التي تم تطبيقها والالتزام بها بشكل تلقائي وفي شكل سلس و طبيعي .
فقد احترم القانون السوداني منذ ما قبل الإستقلال كل الديانات والمعتقدات، وأتاح لكل طائفة بناء دور عبادتها وممارسة شعائرها الدينية .
والأهم من ذلك، كان القانون يضمن تكافؤ الفرص في الوظائف العامة للجميع، بغض النظر عن دينهم.
🛑أدلة من النصوص القانونية والدساتير
إن مراجعة سريعة للدساتير والقوانين السودانية تؤكد هذا الفهم. حيث لم تشترط أي من هذه النصوص أن يكون شاغل الوظيفة من دين معين.

💥* الدساتير: لم تتضمن دساتير السودان المتعاقبة (مثل دستور 1973، ودستور 2005 الانتقالي) أي شروط دينية للمرشحين لمنصب رئيس الجمهورية أو أعضاء البرلمان. فقد كانت الشروط تقتصر على الجنسية، والعمر، والأهلية العقلية، والسجل الجنائي.
هذا المبدأ استمر طيلة تأريخنا التشريعي إلي أن بلغنا الوثيقة الدستورية لعام 2019، التي لم تشترط ديناً محدداً لعضوية المجلس السيادي أو أي منصب سيادي آخر.
💥* القوانين المنظمة للخدمة العامة: لم تشترط قوانين القوات المسلحة، أو الشرطة، أو النيابة العامة، أو السلطة القضائية، أن يكون المرشح للخدمة أو الترقية من دين معين. فقد كانت الشروط تقتصر على المؤهلات العلمية، واللياقة البدنية، وحسن السيرة والسلوك. كانت السلطة القضائية والجيش والشرطة خليطاً من كل أطياف الشعب السوداني، مما يؤكد مبدأ المواطنة المتساوية.
كانت القوانين السودانية أيضاً تعكس هذا التوازن الفريد. فرغم أنها كانت تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية باعتبارها دين الأغلبية، إلا أنها كانت تراعي حقوق غير المسلمين. على سبيل المثال، كان القانون الجنائي يمنع تناول الخمر في الأماكن العامة حفاظاً على الشعور العام للمسلمين، لكنه لا يمنع غير المسلم من تناولها في بيته. وفي شهر رمضان، كانت المطاعم تظل مفتوحة لخدمة غير الصائمين، وهو ما يؤكد على وجود فهم عميق للتعايش.
لقد كانت هذه الممارسة نموذجاً فريداً من التسامح، ونوع من العلمانية الحضارية التي ابتدعها أهل السودان عبر تاريخهم الطويل، ولم تكن بحاجة لاستيراد نموذج غربي صارم.
لقد عاش السودان مؤخراً تجربة مريرة من استغلال الدين من قِبل نظام المؤتمر الوطني وجماعةالحركة الإسلامية وشركائها من جماعة مايسمي بالتيار الإسلامي العريض.
لقد تم استخدام الدين كأداة لتحقيق مكاسب حزبية ولتبرير الحكم الشمولي والاستبداد..
حتي في هذه الحرب الأهلية العبثية التي اندلعت بسبب الصراعات الداخلية بين تيارات جماعة الإخوان والحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني والعسكر الانقلابيين المتصارعين علي السلطة والثروة ويسعي كل تيار للإستبداد بالحكم ، تم إستخدام العاطفة الدينية في خداع جماهير الشعب السوداني وتم تصوير الأمر وكأنه صراع مابين المسلمين وبين جماعة مارقة تدعو الي محاربة الإسلام وتطبيق مايعرف بـ العلمانية ، والتي تم تصويرها لجماهير الشعب السوداني بأنها كفر وأنها تحارب الإسلام وتمنع تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية!!!!
جماعة الحركة الإسلامية وشركائها يتلاعبون بالمشاعر الدينية الإسلامية لدي جماهير الشعب السوداني المعروف بتدينه التقليدي التلقائي المتوارث الذي يجعله شديد النفور من كل ما يدعوه الي فصل الدين عن السياسة أو فصل الدين عن الدولة وشئون الحكم..
ولهذا، فإن الحالة السودانية لا يصلح معها المناداة بتطبيق علمانية ترفض الدين جملةً وتفصيلاً في كل مايتعلق بالتشريعات والقوانين ، فالشعب السوداني ولله الحمد مستمسك بشدة وإيمان قوي في كل مايتعلق بالالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية.
ولكن..يجب الإجتهاد في بيان أن لكل شعب أن يختار مفهومه لمعني العلمانية ، وأن العلمانية لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية ، مع بيان أننا بالفعل نمتلك نموذجنا الخاص والمجرب للعلمانية.
🛑خداع العاطفة الدينية: سلاح الأحزاب السياسية الإنتهازية.
#من المؤسف أن هذا النموذج الحضاري الراقي للعلمانية في السودان قد تعرض لمحاولات تشويه ممنهجة .
فجماعات مثل الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، وشركاؤهم من “التيار الإسلامي العريض”، يحاولون خداع الشعب السوداني عندما يروجون للناس بأن العلمانية إنما هي كفر وأنها ضد الإسلام.
هذه الخدعة ظلت تُستخدم بكثافة منذ إعتصام القيادة العامة وذلك لأجل تجييش الشعب السوداني ضد قوى الحرية والتغيير وثورة ديسمبر المجيدة بصفة عامة، وكذلك ضد الحركات المسلحة التي تقاتلهم مثل جماعة عبدالعزيز الحلو .
وللأسف، هذه الحيلة ظلت تنجح بإستمرار ، فإن الشعب السوداني بطبعه عاطفي ويتم خداعه بهذه الدعايات الكاذبة.
لو أن الشعب تمهل وتأمل، سيفهم أن هذه الخدعة ليست جديدة ، وهي شبيهة بما جري في ستينيات القرن الماضي بشأن تصوير المنتمي الي الحزب الشيوعي السوداني بأنه ملحد وكافر !!
عملية المتاجرة بالدين وإستغلال العاطفة الدينية الجامحة لدي الشعب السوداني ليست حكراً ولا بدعةً جاءت بها جماعة الإخوان أو الجبهة الإسلامية والحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني ، بل هي خدعة ووسيلة إنتهازية قديمة مارستها وإستخدمتها كل الأحزاب والطوائف الدينية منذ الاستقلال. حتى الحزبان التاريخيان الكبيران، الأمة والاتحادي الديمقراطي، تسربل كلاهما بغطاء الدين، فالتصق الأول بآل المهدي وطائفة الأنصار، وارتبط الثاني بآل الميرغني وطائفة الختمية. كل ذلك كان لأجل استغلال الدين والمتاجرة به في استقطاب الأنصار والناخبين. والواقع التاريخي يثبت أن هاتين الطائفتين لم تقدما أي إنجاز تاريخي أو حضاري، بل للأسف، ظلت المناصب والمكاسب المادية حكراً على الأشخاص والعائلات المقربة من السادة الزعماء.
في كل السودان بطوله وعرضه، لا يوجد مشروع تنموي واحد قامت بصنعه أو إقامته هذه الجماعات السياسية المتدثرة برداء الدين.
🛑مقترح للخلاص: علمانية سودانية تمنع الاستغلال
#إن المقترح الذي أتقدم به اليوم هو من باب إقتراح حل عملي يهدف إلى إنقاذ السودان من الفوضى السياسية التي أحدثتها جماعات استغلال الدين.
هذا المفهوم المقترح يجمع بين مزايا العلمانية في حماية السياسة من الاستغلال الديني، وبين احترام الهوية الإسلامية للمجتمع السوداني.
إنه يمثل حلاً وسطاً يضمن العدل والحرية والكرامة للجميع.
هذا المقترح يرتكز على مبدأين أساسيين:
💢* أولاً: منع استخدام الدين في العمل السياسي. يجب أن يُحظر على الأحزاب والجماعات السياسية أن تستخدم الدين ضمن برامجها أو خطاباتها لاستقطاب الأنصار. هذا يحمي الدين من أن يكون وقوداً للصراعات السياسية.
💢* ثانياً: الشريعة كمرجعية للتشريع. يُعطى الشعب السوداني، عبر ممثليه في المجالس التشريعية، الحق في أن تكون جميع القوانين والتشريعات لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. هذا المبدأ يحترم الهوية الدينية لأغلبية الشعب.
بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يضمن الدستور حق الأقليات غير المسلمة في تطبيق شريعتهم الخاصة في قضايا الأحوال الشخصية.
أعتقد أن هذا المفهوم يجمع نوعاً ما بين مزايا العلمانية في حماية السياسة من الاستغلال الديني، وبين احترام الهوية الإسلامية للمجتمع السوداني. إنه يمثل حلاً وسطاً يضمن العدل والحرية والكرامة للجميع.
✍️ “هذا اجتهادٌ بشريٌّ؛ أصيبُ فيه إن شاء الله فأُؤجَر أجرين، وأخطئُ فأُؤجَر أجرًا واحدًا، والله أعلم.”

زر الذهاب إلى الأعلى