الأعمدة

اعلام التغبيش والتغييب والنهايات غير السعيدة.

اذا كانت ادوات الميدان خلال الحروب في قديم الحقب او في عصرنا الحديث هي الاسلحة التقليدية والطائرات والبوارج والصواريخ وما استجد من تقنية المسيرات الخ وتلك كلها تستهدف حياة البشر عسكريين ومدنيين بلا استثناء وتدمر البنى بمختلف انواعها .
فإن الإعلام المسخر من كافة اطراف النزاع في تلك الحروب ايا كان مكانها وزمانها يصبح الاداة الاخطر لانه يستهدف اللعب بالعقول و يعزف على وتر عواطف الراي العام الذي يتمنى للطرف الذي يعنيه النصر الموزر كشعور طبيعي و مقدر .
فكان وزير الإعلام النازي كوبلز التابع لهتلر يقوم بعملية الشحن الممنهج معترفا بانه يكذب ويكذب حتى يصدقه الناس .
ولعل حماس الوزير محمد سعيد الصحاف الذي كان يبشر الراي العام العراقي والعربي بان هزيمة من اسماهم العلوج الغزاة قد صارت وشيكة عند اسوار بغداد كانت من الظواهر التي ضللت الناس حتى صدموا بتلك النهاية المأساوية ربما لاقوى دولة من حيث اعداد وجاهزية الجيش و صرامة النظام الحاكم وتعويل الامة على ان تكون دولة العراق هي التي ستقود مقدمة الخلاص العربي من الاستعمار الحديث الذي تراه في القوى الغربية وربيبتها المزروعة في خاصرة المنطقة وهي دولة اسرائيل المارقة .
ولعل متابعة الراي العام السوداني لاعلام التعبئة الممنهج إبان حرب نظام الإنقاذ في الجنوب عبر برامج التلفزيون و اقلام الكتاب والصحفيين التابعين للنظام كانت ايضا نهايتها قد افرزت نماذجا من السخرية على تلك الحكايات التي تتجاوز حدود الخرافة الهازلة إلى مرحلة الاستخفاف بالالباب والمشاعر وزاد من ذلك الوجع كيل بعير احد الكتاب وهو اسحق احمد فضل الله الذي كان يعد تلك السيناريوهات و الترهات و يحكي ويسوق لها بقوله إن الحرب خدعة فلماذا لا اكذب !

الآن رغم ان حربنا الحالية لاتحتاج الى درس عصر لنستبين الدور السيء لقوات الدعم السريع التي استعدت الشعب في كل وجوده ونهب وتخريب مقدراته متجاوزة خطوط الصراع التقليدية العسكري مع القوات المسلحة والكتائب الداعمة وكان تلك المليشيا الغبية ابتلعب طعما وضع لها لتنحرف إلى ذلك المنحى لتستثمر جهات اخرى بعينها في تلك السقطات المربعة بما فيها تكريس الكثير من الاقلام و استغلال اعلام الدولة لخدمة الحرب التي عنونت بمعركة الكرامة وليس في كل ذلك غضاضة او نكران ويظل امرا مشروعا إذا كانت تلك الاقلام الناشطة و ادوات الإعلام الموجهة صادقة فيما تبثه من مواد وتكتبه من حروف ليس لمصلحة تنظيمات او سعيا وراء تحقيق هدف محدد وانما خدمة للوطن و تقوبة الجبهة الداخلية وتحصينها من الاختراق والتفكك.
غير انه بعد سنتين ونيف من الحرب تلاحظ ان قبضة ذلك التحالف الإعلامي الناشط حتى الامس القريب قد بدات في الارتخاء كانعكاس طردي لنشوب الصراعات وسط بعض التيارات الداعمة للجيش سياسية او قوات عسكرية ..بل إن صحفيين كانوا يقفون كالبنيان المرصوص في موقفهم الداعم للحرب قد بداوا في الإمساك بخناق بعضهم يتبادلون الاتهامات ويتنصلون من تشنجهم في التغبيش والتغييب الذي كان منصبا في التركيز على شيطنة الخصوم ووصفهم بكل النعوت القبيحة دون التفريق بين ما لهم وما عليهم .
فتجد على سبيل المثال الصحفي الإنقاذي الهندي عز الدين يهاجم الكاتب الاسلامي عبد الماجد عبد الحميد..و حملة التبشيع بين صاحب الخمسين الف متدرب في ارض اسباس افروقي محمد الجاكومي والصخفي المعروف الطاهر ساتي قد بلغت مرحلة ما صنع الحداد.
بينما المهندس عثمان ميرغني يرفع البطاقة الحمراء للحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول ويطالبهم بالجلوس على دكة الإحتياط خروجا من ملعب القوات المسلحة لتخلو صفوفه من آية تاثيرات ايدلوجية…بل وذهب الى ابعد من ذلك مطالبا بحل الحركة الإسلامية وان يغير المؤتمر الوطني جلد الذئب الشرس بفروة الحمل الوديع !
بينما الناشط الاسلامي معمر موسى يسكب دمعة التحسر الحرى على ظهور انتهازية الاقلام والمواقع التي سماها صراحة و التي قال انها ولت الادبار او كادت بحثا عن ملاذات آمنة خوفا من القادم المجهول في ظل هذه الربكة في الساحة السياسية والتي ستلقي بظلالها حتما على مجريات المعركة وقد تقود إلى اتجاهات غير محسوبة العواقب ولكنها تظل متوقعة من منطلق دوام الحال من المحال.
والله من وراء القصد

زر الذهاب إلى الأعلى