ستمائة ألف دولار تفضح الوجه القبيح للاتحاد السوداني لكرة القدم : عندما يتحول العرق إلى ذهب مسروق”
”
كتب: معاوية أبوالريش
في زمن تئن فيه الأسر السودانية تحت وطأة الحرب و الغلاء الفاحش وتكافح لتوفير لقمة العيش، وفي لحظة كان ينبغي أن تكون احتفالية بإنجاز رياضي مشرف حققه المنتخب السوداني المحلي بحصوله على المركز الرابع في بطولة كأس الأمم الإفريقية للمحليين “الشان”، تنكشف لنا فضيحة أخلاقية ومالية مدوية تضع الاتحاد السوداني لكرة القدم في قفص الاتهام أمام الضمير الوطني والرياضي. فبدلاً من أن تكون مكافأة الستمائة ألف دولار التي حصدها هذا الإنجاز بركة تنعش الكرة السودانية وتطور بنيتها التحتية، تحولت إلى مسرح للصراع القذر بين قيادات الاتحاد حول اقتسام هذا المال العام، في مشهد يذكرنا بالضباع التي تتصارع حول جيفة فريستها.
إن اشتعال النزاع بين النائب الأول لرئيس الاتحاد أسامة عطا المنان ورئيس لجنة المنتخبات الوطنية من طرف، وبين نواب الرئيس الآخرين البالغ عددهم أكثر من خمسة نواب مع بقية أعضاء المجلس من طرف آخر، لا يكشف فقط عن انعدام الضمير لدى هؤلاء المسؤولين، بل يضع أيدينا على جرح عميق ينزف في جسد الرياضة السودانية منذ سنوات طويلة. هذا الصراع ليس وليد اللحظة، بل هو تتويج لسلسلة من الممارسات الفاسدة التي تحولت فيها المناصب الرياضية من خدمة عامة إلى تراخيص مفتوحة للإثراء غير المشروع على حساب عرق الرياضيين ودماء الوطن.
والمفارقة المؤلمة أن هذا المبلغ الذي يتصارعون عليه كالجوارح الكاسرة، لم يأت بجهدهم أو تخطيطهم أو استثمارهم، بل جاء بعرق اللاعبين الأطهار وحكمة المدرب الغاني كواسي أبياه وطاقمه الفني، الذين حققوا هذا الإنجاز رغم تجاهل الاتحاد التام لاحتياجاتهم. فالتاريخ يشهد أن الاتحاد السوداني لم يوفر معسكراً إعدادياً واحداً للمنتخب قبل البطولة، وأن رئيس مجلس السيادة الفريق البرهان كان هو من تكفل بتوفير الطائرة الخاصة لتنقلات الفريق، بينما وقف مسؤولو الاتحاد موقف المتفرج السلبي حتى حان وقت قطف الثمار وتقسيم الغنائم.
وإذا أردنا أن نضع هذا المبلغ في سياقه الصحيح، فإن الستمائة ألف دولار، هو مبلغ يكفي لبناء عدة ملاعب في الولايات المحرومة، أو لإقامة عشرات المعسكرات التدريبية للفئات العمرية المختلفة. لكن هؤلاء المسؤولين، الذين يعيشون في أبراج عاجية بعيداً عن معاناة الشعب، لا يرون في هذا المال سوى فرصة لملء جيوبهم والإثراء على حساب الآخرين، في استخفاف صارخ بحاجات الوطن ومعاناة المواطنين.
وعندما نقارن سلوك الاتحاد السوداني مع نظرائه في القارة الأفريقية، تتضح حجم الكارثة بصورة أكثر جلاء. فالاتحاد المغربي، مثلاً، يوزع مكافآت منتخباته وفق آليات شفافة ومعلنة، ويستثمر الجزء الأكبر من العوائد في برامج التطوير والبنية التحتية، بينما الاتحاد المصري يضع لوائح مالية صارمة تضمن وصول المكافآت لمستحقيها وتوجيه الفائض نحو مشاريع التطوير. أما نحن، فقد تحول اتحادنا إلى مسرح للمهازل والفضائح، حيث يصارع المسؤولون على كل قرش كأنه من مالهم الخاص، متناسين أن هذا المال أمانة في أعناقهم وحق للشعب السوداني كله.
والأخطر من ذلك كله أن هذا السلوك المشين لا يقتصر أثره على اللحظة الحاضرة، بل يمتد ليشوه صورة السودان في المحافل الرياضية الدولية ويقوض فرص الحصول على دعم من المؤسسات والرعاة الدوليين. فمن يريد أن يستثمر في بلد يشهد هذا المستوى من الفوضى والفساد في إدارة الأموال؟ ومن يثق في اتحاد تتصارع قياداته على المال العام كالضباع الجائعة؟ إن هذا السلوك يدمر سمعة الرياضة السودانية ويحرمها من فرص التطوير والنمو، ويحول دون وصول الاستثمارات والدعم الذي تحتاجه بشدة.
كما أن تأثير هذا الفساد يمتد ليطال الأجيال الشابة من الرياضيين، الذين يفقدون الثقة في النظام الرياضي ويشعرون بالإحباط واليأس عندما يرون أن جهودهم وتضحياتهم تتحول إلى مادة للصراع والنزاع بين المسؤولين الفاسدين. فكيف نتوقع من شاب موهوب أن يضحي ويجتهد في التدريب عندما يعلم أن ثمار نجاحه ستذهب إلى جيوب هؤلاء اللصوص؟ وكيف نطلب من اللاعبين أن يمثلوا الوطن بكرامة وعزة وهم يشاهدون قيادات اتحادهم تتصارع على حقوقهم المشروعة؟
والمؤسف أن هذه ليست المرة الأولى التي يشهد فيها الاتحاد السوداني فضائح مالية مماثلة، فالتاريخ الأسود لهذا الاتحاد حافل بقضايا الفساد والاختلاس وسوء الإدارة المالية. ولعل الذاكرة السودانية لا تزال تحتفظ بتفاصيل القضايا المالية التي طالت أسامة عطا المنان نفسه في السابق، والتي أدت إلى صدور مذكرة قبض بحقه من نيابة الأموال العامة، مما يؤكد أن الرجل لم يتعلم من أخطائه السابقة ولم يتب عن ممارساته الفاسدة، بل عاد ليكررها بوقاحة أكبر وجرأة أكثر.
إن محاولة هؤلاء المسؤولين تدبير فواتير مزورة لتبرير صرف هذه الأموال في بنود وهمية، تضيف جريمة جديدة إلى سجلهم الأسود وتؤكد أن الأمر لا يتعلق بسوء إدارة أو خطأ في التقدير، بل بفساد منهجي ومنظم يهدف إلى نهب المال العام بطرق مختلفة. هذا السلوك يذكرنا بأساليب المافيا في غسل الأموال وإخفاء آثار جرائمها، ولا يليق بمؤسسة رياضية يفترض أنها تمثل القيم النبيلة والروح الرياضية الطاهرة.
وفي ظل غياب الرقابة الحقيقية من الجهات المختصة في الدولة، وصمت الأجهزة الرقابية عن هذه الممارسات المشينة، يصبح الفساد أكثر جرأة واستفحالاً. فأين دور ديوان المراجعة القومي؟ وأين دور نيابة الأموال العامة؟ وأين دور وزارة الشباب والرياضة في مراقبة الاتحادات الرياضية ومحاسبتها على تصرفاتها المالية؟ إن غياب هذه الجهات عن أداء واجبها الرقابي يشجع الفاسدين على المضي قدماً في ممارساتهم المشينة ويحولهم إلى طغاة صغار في مملكتهم الرياضية.
لكن الأمل لا يزال موجوداً، والحل ممكن إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح. فالنماذج الناجحة في الإصلاح الرياضي موجودة في بلدان عربية وأفريقية عديدة، حيث تم تطبيق آليات شفافة للإدارة المالية وإنشاء أجهزة رقابة مستقلة وفعالة. كما يمكن الاستفادة من التجارب الدولية في هذا المجال، مثل النموذج الألماني أو الإنجليزي في إدارة الاتحادات الرياضية، حيث تخضع كل المعاملات المالية لرقابة صارمة وتنشر التقارير المالية بشفافية كاملة.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد إدانة هؤلاء الفاسدين أو التعبير عن الاستياء من تصرفاتهم، بل اتخاذ إجراءات عملية وحاسمة لوقف هذا النزيف واستعادة كرامة الرياضة السودانية. هذا يتطلب تدخلاً عاجلاً من أعلى المستويات في الدولة، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة للكشف عن حقيقة هذه القضية ومحاسبة المسؤولين عنها، وإقرار قانون جديد للرياضة يضمن الشفافية والمساءلة ويمنع تكرار مثل هذه الفضائح في المستقبل.
كما يجب على الإعلام الرياضي السوداني أن يلعب دوره الرقابي كاملاً وألا يكتفي بنقل الأخبار، بل يحقق ويتابع ويكشف الحقائق مهما كانت مؤلمة. فالصمت عن الفساد شراكة فيه، والتغطية على الفاسدين خيانة للمهنة وللوطن. إن الكرة السودانية تستحق إعلاماً شجاعاً ونزيهاً يقف مع الحق ولا يخاف في الله لومة لائم.
إن ستمائة ألف دولار ليست مجرد رقم في ميزانية الاتحاد، بل هي رمز لكل ما هو خطأ في إدارة الرياضة السودانية. هي دليل على تحول المسؤولين من خدام للوطن إلى طفيليين يعيشون على دماء الآخرين. هي شاهد على فشل النظام الرياضي السوداني في حماية حقوق الرياضيين وتطوير البنية التحتية. وهي في النهاية صرخة استغاثة من الكرة السودانية تطالب بالإنقاذ من براثن هؤلاء الفاسدين الذين لا يستحقون أن يديروا نادياً صغيراً، فضلاً عن اتحاد وطني له تاريخ عريق وإنجازات مشرفة.
إن الوقت قد حان لنقول كفى للفساد والفاسدين، وكفى للصمت والتواطؤ، وكفى لتحويل الرياضة إلى مزرعة خاصة للإثراء غير المشروع. الكرة السودانية تستحق الأفضل، والشعب السوداني يستحق أن تكون رياضته نظيفة وشريفة، والأجيال القادمة تستحق أن ترث إرثاً رياضياً مشرفاً وليس تاريخاً أسود من الفضائح والفساد.



