الأعمدة

لعمامرة… مبعوث يتعثر فوق أنقاض السودان

نزار عثمان السمندل
اختار رمطان لعمامرة، المبعوث الشخصي لأنطونيو غوتيريش، أن يواصل الرحلة. لم يتوقف عند الأصوات التي ارتفعت في الخرطوم وبورتسودان وداخل عواصم الشتات السوداني مطالبة برحيله. تجاوز العاصفة التي اتهمته بالانحياز، واستأنف جولته الأفريقية كمن يتمسك بخيط أخير في نسيج يتداعى، وكمن يريد أن يثبت أن الأمم المتحدة لم تفقد بعد قدرتها على الحلم، وإن كانت قد فقدت الكثير من ثقة السودانيين.
بدأ الرجل من نيروبي، عاصمة كينيا المتعبة من جروح القرن الأفريقي، رحلة أقرب إلى محاولة للهروب إلى الأمام منها إلى فتح ثغرة في جدار الحرب السودانية. يحمل أوراقاً مثقوبة بانتقادات الداخل، ووعوداً دبلوماسية يعرف أنها لا تُقنع الجائع ولا تُنقذ المشرّد. أراد أن يحشد دعماً إقليمياً لتسوية مستحيلة حتى الآن، في حربٍ لا يبدو أن أحداً يملك فيها إرادة النهاية.
أكثر من مئة توقيع على مذكرة رفعت إلى الأمين العام للأمم المتحدة طالبت باستبداله. أكاديميون ومحامون وناشطون وسياسيون سودانيون اتهموه بأنه انحنى نحو الجيش أكثر مما ينبغي، وبالتقصير في بناء الجسور مع دول جوار السودان السبع، الذين تربطهم به وشائج تاريخية ومصالح متشابكة. قالوا إنه أهمل التواصل مع محيط ضروري لفهم الحرب، وفضّل الاستماع لعواصم محددة وتبنّى سردياتها، وأنه تجاهل أصوات الضحايا التي لا يملك ترف إسكاتها، والنتيجة: مبعوث يُفترض أن يكون جسراً، لكنه بدا في نظر كثيرين جزءاً من الأزمة.

الأمم المتحدة، على لسان متحدثها ستيفان دوجاريك، ردّت بالتمسك به. أكدت أن لعمامرة يواصل جهوده لإطلاق حوار شامل، وأنه سيزور بورتسودان للقاء السلطات والقوى السياسية، وسيعمل مع الاتحاد الأفريقي لعقد اجتماع وزاري في أديس أبابا. لغة البيانات الأممية المعتادة: دعوات إلى “سلام مستدام”، ووعود بتوحيد الوساطات. غير أن الشارع السوداني، الذي يلتقط الفوارق الدقيقة في مواقف المبعوثين، فقد كثيراً من ثقته في هذه اللغة.
في العمق، تتجاوز معركة لعمامرة حدود مهمته. هي تعكس أزمة الأمم المتحدة نفسها: منظمة تتحدث بلغة التسويات بينما الخراب يبتلع المدن والقرى. السودان، الذي يعيش حرباً مفتوحة بين الجيش ومليشيا الدعم السريع، يواجه في الوقت نفسه مجاعة كبرى. خمسة وعشرون مليون إنسان على أبواب الجوع الحاد. برنامج الأغذية العالمي أعلن أنه لم يعد قادراً سوى على إطعام أربعة ملايين شخص شهرياً. خمسة من كل ستة محتاجين يُتركون للقدر، ولجفاف التمويل، ولزمن لا يرحم.
بين اتهامات الانحياز ونداءات الاستغاثة، يواصل لعمامرة جولاته. رجل يوحي بأنه سيُقاتل من أجل مهمته، فيما بلد بكامله يُقاتل من أجل البقاء. وفي الحالتين، السؤال واحد: من يُنقذ السودان من أن يصير مجرّد مأساة مكتوبة بحبر الدم والجوع؟

زر الذهاب إلى الأعلى