الجيش والدعم السريع.. أيهما قتلاه في الجنة وأيهما قتلاه في النار؟
أم ..كلاهما القاتل والمقتول في نار جهنم والعياذ بالله!!!
محمد الفاتح حضرة
منذ انقلاب عام 1989، رويداً رويداً تشكلت في السودان شراكة معقدة ما بين الجيش السوداني وكل فصائل الحركة الإسلامية وذراعها السياسي المؤتمر الوطني..
قائد الجيش ، صار هو رئيس البلاد وصار هو كذلك رئيسا للحزب الحاكم حزب المؤتمر الوطني وصار هو كذلك الراعي لجماعة الحركة الإسلامية مثل ما صار هو كذلك القائد الأعلى لقوات الدعم السريع وبقية الأجهزة الأمنية والنظامية ..
#حكم_شمولي_عضوض
لاحقاً، عقب الإنقسام داخل جماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وقيام فريق منهم بإنشاء حركة العدل والمساواة المسلحة في دارفور والتي ارتبطت بزعيم وعرَّاب جماعة الحركة الإسلامية الدكتور حسن الترابي، ظهرت ميليشيات الجنجويد التي قام بتأسيسها الفريق الآخر من جماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني الموالي الي الرئيس عمر البشير ، وكان هدفها الأول هو القضاء علي حركة العدل والمساواة بالإضافة إلي مقاتلة بقية الحركات الدارفورية الأخري المسلحة مع إطلاق ميليشيا الجنجويد بشأن مهاجمة القري والعشائر التي كانت تمثل الحاضنة الاجتماعية لتلك الحركات الدارفورية المسلحة ، فارتكبوا من المجازر والإغتصابات والانتهاكات ما جعل الأمم المتحدة ومجلس الأمن يتدخل عسكرياً في تلك البقعة من السودان لأجل حماية المدنيين.
بعلم الحكومة ، ارتبطت ميليشيات الجنجويد ببعض العشائر العربية في دارفور وخارج دارفور فزاد عددها .
هذه الميليشيا، تطورت لاحقًا لتصبح قوات الدعم السريع،والتي أصبحت هي الذراع العسكري الأول لجماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني. حيث قاموا بتشريع القوانين عبر البرلمان لجعلها جزءاً من المؤسسة العسكرية السودانية.
المتحاربون في ، كانت كل هذه الأطراف كياناً واحداً إشترك في حكم السودان طوال ثلاثة عقود، وتشاركوا جميعاً في كل الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها نظام الإنقاذ..
#من بين هذه الجرائم:
حرب دارفور: كان الطرفان مسؤولين عن المجازر، وعمليات الاغتصاب، والتطهير العرقي.
قمع المظاهرات: كان القمع العنيف للاحتجاجات السلمية في سبتمبر 2013 وفي ثورة ديسمبر 2018 جريمة مشتركة.
مجزرة فض الاعتصام: اشترك الطرفان في هذه المجزرة التي أدت إلى سقوط مئات الضحايا المدنيين.
ظلت شراكة الدّم هذه مستمرة حتى بعد ثورة ديسمبر، وحتى بعد انقلاب 2021.
فبعد أن انقلب الجيش وقائد قوات الدعم السريع معًا على حكومة الثورة في أكتوبر 2021، استمرت هذه الشراكة بينهما.
🛑سبب الحرب: صراع على السلطة وخيانة بين الشركاء.
#لم يندلع القتال بين الجيش والدعم السريع في 15 أبريل 2023 -في تقديري- بسبب خلافات مبدئية، بل كان نتيجة صراع على السلطة والنفوذ داخل معسكر المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية والعسكر الانقلابيين.
عندما شعر قائد قوات الدعم السريع بأن قيادات الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني والعسكر الانقلابيين قرروا التخلص منه ومن أخيه، وإخضاع قواته #وثروته بالكامل لقيادة الجيش، قرر هنا المناورة و الانقلاب عليهم .
وفي محاولةٍ لكسر هذه الشراكة القديمة #وإستقطاب آخرين، أعلن الدعم السريع ندمه على المشاركة في انقلاب 2021، وأعلن وقوفه مع تسليم الحكم إلى المدنيين.
وحيث أن الدعم السريع يمتلك قوة عسكرية ضخمة، فقد أصبح هكذا يشكل تهديداً وعائقاً أمام عودة جماعة المؤتمر الوطني إلى السيطرة الكاملة على السلطة.
ولهذا السبب في تقديري، قرروا إشعال هذه الحرب ضده عبر إستغلال القوات المسلحة وجرَّها الي هذه المعركة وتوريطها .
وقد استغل عناصر الحركة الإسلامية داخل الجيش هذه الحرب كذلك لأجل القضاء على كل قيادات قوى الحرية والتغيير وقوى الثورة، وقادة شباب الثورة وأعضاء لجان المقاومة والخدمات.
لكن، شاءت إرادة الله أن تفشل الخطة المرسومة للقضاء السريع المبرم على قوات الدعم السريع،و التي فيما يبدو قد استخدمت البعد القبلي والعشائري والأموال التي بيدها فأستجلبت المرتزقة من دول مجاورة مثل ليبيا وتشاد والنيجر وجمهورية أفريقيا الوسطى بالإضافة إلي عناصر نخبة من بعض المنظمات الدولية الإجرامية مثل فاغنر.
ونتيجة لذلك، امتدت هذه الحرب المدمرة لأكثر من ثلاث سنوات عجاف ولا تزال مستمرة، في ظل إصرار جماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني والعسكر الانقلابيين على حتمية القضاء التام على قوات الدعم السريع.
🛑ادعاءات كاذبة وجرائم على الأرض: لا جهاد ولا دفاع شرعي!!!
في ظل هذه الحرب، يرفع كل طرف شعارات جوفاء تخالف أفعاله على الأرض، مدعين أنهم يقاتلون في “سبيل الله” وأن قتلاهم “شهداء”. هذه في تقديري محض ادعاءات باطلة يكذبها الواقع وتكذبها وتدحضها قواعد الشرع والأخلاق.
الدعم السريع يدعي أنه يدافع عن نفسه، وأن قتلاه “شهداء”..
و لكن.. من يجاهد ويدافع عن نفسه لا يعتدي على بيوت المدنيين، ولا ينهب محتوياتها، ولا يغتصب النساء، ولا يقصف الأحياء السكنية والأسواق. كل هذه الأفعال لا علاقة لها بالدفاع المشروع، بل هي إجرام وانتهاك صارخ للقوانين والأخلاق والإنسانية.
الجيش وأنصاره يزعمون أنهم يحاربون من أجل الوطن، ولكنهم وفقاً لتجربتي ومعايشتي ، انهم علي الإطلاق لم يهتموا لأمر حماية المدنيين الأبرياء وأموالهم، بل تركوهم لقمةً سائغةً أمام عصابات الدعم السريع. بل قام الجيش بقصف الأحياء السكنية والقرى بزعم أنها “حواضن للدعم السريع”، وقصف كذلك المستشفيات والجسور ومصفاة الخرطوم. كما لم يسمح بفتح ممرات آمنة لدخول المساعدات الإنسانية أو لإجلاء المدنيين من الأحياء التي احتلتها قوات الدعم السريع في ولاية الخرطوم، الأمر الذي يدل على أن حماية المدنيين لم يشكل أولوية بالنسبة لهم!!!
🛑الجهاد والاستشهاد في ميزان الشرع: مفهومٌ غائبٌ عن طرفي الحرب.
يُعَرِّف الفقه الإسلامي الجهاد بأنه قتالٌ لرفع الظلم وإقامة العدل، وله شروطٌ وضوابطُ صارمة. من أهمها أن يكون تحت راية إمامٍ عادل، وأن يهدف إلى حماية الدين والأرض والعِرض والمال، مع تحريم الاعتداء على المدنيين والأبرياء. قال الله تعالى:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[البقرة: 190].
والنبي ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان والشيوخ وأصحاب الصوامع، ونهى عن قطع الشجر وتخريب العمران.
أما الشهادة في سبيل الله، فهي منزلة عظيمة لا تُنال في حربٍ أهلية تُسفك فيها دماء الأبرياء وتُنتهك فيها الحُرمات.
قال النبي محمد ﷺ:
“سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر”
(متفق عليه).
وقال عليه الصلاة والسلام:
“إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار” فقيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: “إنه كان حريصاً على قتل صاحبه” .
(صحيح مسلم).
في هذه الحرب، لا أجد طرفاً يقاتل لأجل رفع ظلم أو إقامة عدل، بل كلاهما إنقلابیان خارجان علي القانون ، ارتكبا جريمة تقويض النظام الدستوري ، وتشاركا في مجموع تاريخهما في كل الانقلابات والجرائم منذ عام 1989.
إن من يرتكب جرائم القتل، والنهب، والاغتصاب، ويدمر المرافق العامة، ويشرّد الملايين، لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن يوصف بأنه ” مسلم مجاهدٌ في سبيل الله”، ولا أعتقد بصحة أن يُعتبر كل من يلقى حتفه منهم في هذه الحرب “شهيدًا”.
الشهادة منزلةٌ عظيمة، لا تُنال إلا لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وليست لمن قاتل لأجل سلطة أو دنيا.
لذلك ..فلينتبه وليحذر من يقرر خوض هذه الحرب والقتال في صفوف أحد طرفيها .
🛑واجب المدنيين: الدفاع عن النفس…
ملحمة أهل أم شجرة نموذجاً.
#في ظل هذا الواقع المرير، يقع على عاتق المدنيين واجبٌ أساسي: الدفاع عن النفس وممتلكاتهم وقراهم.
هذا الدفاع عن النفس والعرض والمال والمستضعفين لابد أن يتخذ أي شكل من أشكال الإستعداد أو مبادرة لجمع التبرعات وشراء الأسلحة والعتاد لأجل قتال الصائل و المعتدي الذي يهاجم الناس ..
وهو مثل ما فعل أهل قرية #أم_شجرة والقُرى التي حولها في ولاية #القضارف.
أولائك الشجعان الحكماء الشرفاء ، لم يهربوا من ديارهم ولم يتركوا نساءهم وأطفالهم، على عكس ما فعله الكثير من قادة الجيش وجماعة المؤتمر الوطني وشركائهم. بل قام أهل هذه القرى، كعشيرة وقبيلة، بتنظيم أنفسهم.
جمعوا المال، واشتروا السلاح والسيارات، واستعانوا ببعض أبنائهم في القوات المسلحة لتوفير أسلحة نوعية، وأسسوا دوريات للفزع تجوب كل ولاية القضارف..
باتوا على قناعة بأنهم مجاهدون وأن من يموت منهم فهو شهيد، لأنه يدافع عن عرضه وأرضه وماله.
هذه الملحمة البطولية لأهل قرية أم شجرة في تقديري هي التي جعلت الدعم السريع يتراجع عن مهاجمة ولاية القضارف!!!
وقد حفزت هذه المبادرة أهل بعض الولايات الأخرى مثل كسلا ونهر النيل، فانتظموا في صفوف مماثلة للدفاع عن أنفسهم، ما أدى إلى تراجع الدعم السريع عن مشاريع ومخططات احتلال تلك الولايات أيضاً.
هذا النوع من الدفاع لا شك بأنه جهاد أو قتالٌ شرعيٌ عن الحقوق الأساسية، وهو حقٌ مكفولٌ لجميع الناس.
قال النبي ﷺ:
“من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد”.
(صحيح الترمذي).
ومع ذلك، يجب على المدنيين الحذر والتحلي بالحكمة و عدم الانخراط في القتال بصفةٍ عامة، وتجنب الانضمام إلى صفوف أيٍّ من الطرفين. فكلاهما شركاء في الانقلاب والجرائم.
إن الانخراط في هذه الحرب يعني التورط في صراعٍ لا علاقة لهم به، وتحويل أنفسهم إلى وقودٍ لمعركةٍ هدفها الوحيد هو السيطرة على السلطة وإستعادة نظام الإنقاذ في صورة جديدة .
🛑مقاتلة الصائل والمصالحة
هل يجوز مطاردة الصائل في كل الولايات؟
لا يجوز مطاردة الصائل خارج منطقته، أو بعد انسحابه، أو بعد أن يكف عن عدوانه. فمواصلة القتال تتحول من “دفاع الصائل” إلى حرب استنزاف لا تنتهي، هدفها السيطرة على الأرض والموارد.
🛑هل يجوز مواصلة القتال رغم عرض الدعم السريع للمفاوضات؟
قد أعلنت قوات الدعم السريع مراراً أثناء هذه الحرب العبثية عن موافقتها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات..
من الناحية الشرعية، إذا أعلن الطرف المعتدي عن استعداده للصلح ووقف القتال، فإن مواصلة الحرب تصبح محرمة وتتحول إلى نوع من البغي والعدوان..
قال الله تعالى:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
[الحجرات: 9].
إن مواصلة العسكر الانقلابيين للقتال، رغم عروض الصلح المتكررة، تكشف عن هدفهم الحقيقي: #وهو القضاء المبرم على ثورة ديسمبر ورموزها، وإعادة الحكم إلى نظامهم القديم.
إنهم لا يسعون لاستعادة الانتقال الديمقراطي، بل يريدون إعادة إنتاج نظام شمولي جديد يسيطرون عليه بالكامل.
لذلك، يجب أن يعي الشعب السوداني أن هذه ليست حرباً مقدسة، بل صراع دنيوي علي السلطة لا يحفل ولا يهتم مهما أزهق من أرواح الأبرياء أو دمر من أموال خاصة أو عامة مملوكة للشعب .
#لا_للحرب #العدالة_قبل_الانتقام #حماية_المدنيين #السودان



