#الموت جوعا في بلد عرفت بانها سلة غذاء العالم هو اكبر جريمة يشهدها العالم
فسوداننا في كارثة بين تمادي المجاعة المنكورة بالولايات المحاصرة والاغاثات المتوفرة بالسوق السوداء ومعدومة في منازل النازحين بالولايات المؤمنة.
بقلم المستشار القانوني/#مهيد شبارقة
لم يعد الجوع في السودان مجرد احتمال يخيف الناس أو فزاعة ترفعها المنظمات الإنسانية في تقاريرها لتحريك الضمير الدولي بل صار واقعاً معاشاً ومأساة يومية تتجلى في عيون الأطفال الجوفاء وأجساد النساء النحيلة وصمت الشيوخ الذين يتوارون وجعهم بكرامة بينما كل المؤشرات الموضوعية تقول إن البلاد تنزلق بسرعة البرق إلى مجاعة جماعية غير مسبوقة في تاريخها الحديث ورغم ذلك يصرّ الخطاب الرسمي لبعض أطراف النزاع على إنكار وجود مجاعة في حين يتداول النازحون والمهجرون عبارة واحدة بينهم: (#نموت جوعاً في صمت بينما المساعدات التي جُمعت باسمنا تُباع في السوق السوداء بأسعار لا يطيقها أحد..!!).
#فالمشهد مأساوي إلى حد أنه لا يحتاج إلى تضخيم فولايات الحصار وعلى رأسها مناطق واسعة من كردفان ودارفور وحتى أطراف العاصمة الخرطوم تحولت إلى بقع مغلقة أشبه بالمعتقلات المفتوحة التي يُمنع عنها الغذاء والدواء بقرار من الحرب وسلاح من يسيطر على الطرق ففي القرى الصغيرة حول الأبيض مثلاً، تجد عائلات كاملة تعيش على حبوب الذرة المطحونة في الماء فقط دون أي إضافات غذائية ويعتبرونها وجبة يومية تسد الرمق والحال اقسى في معسكرات النزوح قرب مدينة الفاشر ويقول أحد الناجين: (#أطفالي لم يعرفوا طعم اللحم منذ أكثر من عشرة أشهر نحمد الله إن وجدنا حفنة من العدس أو الفول لنقسمها بين عشرة أفواه..!!!)
أما في الجزيرة حيث كانت الأرض الخضراء توصف بأنها سلة غذاء السودان فقد أصبحت حقول القطن والقمح والدخن خرائب تحترق بفعل القصف أو تذبل بلا زرع نتيجة توقف الري وغياب المزارعين الذين هربوا بأنفسهم من بطش الطرفين.
#وتشير التقارير الأممية بوضوح إلى أن أكثر من عشرين مليون سوداني مهددون بانعدام الأمن الغذائي الحاد وهو رقم يفوق نصف سكان البلاد بينما تقول تقارير برنامج الأغذية العالمي (#إن قرابة سبعة ملايين شخص يواجهون فعلاً ظروف المجاعة بمستوياتها الثلاثة من الجوع الحاد إلى الفقد الكامل للغذاء) ومع ذلك لا يزال بعض المسؤولين في السلطة القائمة يتحدثون عن (#أزمة غذاء مؤقتة أو ظروف حرب عادية)في محاولة لإنكار الحقيقة وربما خوفاً من الاعتراف بالفشل أو هرباً من المسؤولية التاريخية عن موت مئات الآلاف من المدنيين بالجوع هذا الإنكار يعيد إلى الأذهان مقولات سابقة رددها حكام في عهود مضت حين كانت المجاعات تفتك بالسودان بالثمانينيات والتسعينيات حيث كانوا يتحدثون عن (#شح مؤقت)بينما كانت القرى تبتلع الموتى بلا قبور.
لكن المأساة اليوم أعمق لأنها لا تقتصر على انعدام الطعام بل تشمل تسييس المساعدات وتحويلها إلى سلاح في يد الأطراف المتحاربة واعوانهم. فالطعام صار يُوزع على أسس الولاء السياسي أو الانتماء القبلي وتُفتح ممرات إنسانية لبعض المناطق وتُغلق عمداً أمام أخرى في سياسة (#عقاب جماعي لا تخطئها العين)
#شهادات كثيرة من نازحين في دارفور أكدت أن شاحنات الإغاثة التي أرسلتها منظمات أجنبية توقفت عند الحواجز ولم يسمح لها بالدخول إلا بعد أن جرى اقتطاع جزء منها لصالح قوات بعينها بعض الأسر استلمت فقط ربع الكميات المقررة بينما البقية بيعت في الأسواق.
وكذلك.الحال ببعض الولايات المؤمنة وهنا تبرز المفارقة الموجعة:
#في أسواق نيالا والفاشر والأبيض وحتى داخل العاصمة الخرطوم يمكن أن تجد مواد إغاثية واضحة بعلاماتها الدولية مكتوب عليها (#غير مخصص للبيع) لكنها معروضة بأكياسها الأصلية للبيع في السوق السوداء بأسعار لا يقدر عليها إلا المقتدرون وهذا نهج عرفه المواطن منذ الالفينات فكيلو العدس الذي يفترض أن يكون مجانياً ضمن سلة غذاء نازح يباع الان بما يعادل راتب شهر كامل لموظف عادي وعلبة زيت الطهي الممهورة بشعار (#منظمة دولية)، تتداولها أيدي التجار بضعف سعرها في السوق الحرة أما الدخن والذرة اللذان يمثلان أساس الغذاء السوداني فقد صارا عملة نادرة لا يحصل عليها النازح إلا عبر سمسار يساومه وفي المقابل تدخل إلى بيوت النازحين فلا تجد فيها سوى أواني فارغة وموقد مطفأ بينما ينام الأطفال على بطون خاوية…!!
#في معسكرات النزوح بشرق تشاد، تقول نازحة من غرب دارفور تُدعى حواء، #قالت:
هربنا من القصف والموت لكننا وجدنا موتاً آخر اسمه الجوع ففي المعسكر يوزعون الطعام مرة كل شهرين أو ثلاثة وحين يأتي نصيبنا يكون قد نقص في الطريق..!! نقتسم الكيس الصغير بين عشر أسر فيكفينا لأيام ثم نعود إلى الصفر..!!
وشهادة أخرى من نازح في الأبيض يُدعى عبد الله يقول:
نرى سيارات الإغاثة تدخل وتخرج لكننا لا نرى شيئاً يصل إلى بيوتنا وفي السوق يباع كل شيء بعشرة أضعافه ومن لا يملك المال فليتجه إلى الله بالصبر..!! هذه الشهادات ليست معزولة بل تتكرر في عشرات المخيمات وأحياء النزوح العشوائي داخل السودان وخارجه.
#فالمنظمات الإنسانية تشتكي بدورها من القيود المفروضة على تحركاتها فالأمم المتحدة أعلنت أن أكثر من ٧٠٪ من مناطق النزاع مغلقة أمام فرقها بسبب انعدام الأمن أو منع الأطراف المتحاربة لمرور القوافل..!!
#منظمة أطباء بلا حدود تحدثت عن فشلها في إدخال مساعدات دوائية إلى مناطق في دارفور بسبب الحصار والهلال الأحمر السوداني نفسه وهو منظمة وطنية يعترف بأن متطوعيه يواجهون تهديدات مباشرة إذا حاولوا توزيع الطعام خارج الأطر التي تحددها السلطات المتحاربة ومسيطرة على الأرض.
وفي ظل هذه الظروف تفاقم الفساد بصورة فاضحة إذ ظهرت شبكات كاملة من التجار والسماسرة الذين يتعاملون مع المساعدات كأنها فرصة استثمارية وبعض التقارير الصحفية كشفت عن تورط ضباط في الاستيلاء على شحنات غذائية وبيعها لتجار السوق السوداء كما أن انعدام الرقابة جعل المنظمات الدولية نفسها تقع أحياناً في فخ التواطؤ حيث تغض الطرف عن مصير شحناتها ما دامت قد خرجت من مخازنها لتعلن أنها (#أدت واجبها) بينما يعلم الجميع أن الغذاء لم يصل إلى الجائع الحقيقي.
#الآثار الإنسانية لهذه الكارثة لا تقتصر على الجوع وحده بل تمتد إلى سوء التغذية الحاد الذي يصيب الأطفال بشكل خاص فصور الأطفال الذين يعانون من نحول شديد وانتفاخ البطون نتيجة نقص البروتينات بدأت تتسرب من معسكرات دارفور وكردفان لتعيد إلى الأذهان مشاهد /#مجاعة إثيوبيا في الثمانينيات..!!
والتقارير الطبية تؤكد ارتفاع معدلات وفيات الأطفال دون سن الخامسة بسبب الجوع وسوء التغذية إلى جانب انتشار أمراض مثل الإسهال والملاريا وسط أجساد ضعيفة لا تقوى على المقاومة والنساء الحوامل يواجهن مخاطر إجهاض أو ولادة أطفال ناقصي الوزن ما يهدد بموجة جديدة من الأمراض المزمنة في الأجيال القادمة.
#من الناحية السياسية تعكس هذه الأزمة مدى تفكك الدولة السودانية وتلاشي سلطتها أمام المليشيات وجماعات المصالح فالدولة لم تعد قادرة على حماية مواطنيها من الجوع بل أصبحت طرفاً في عملية التلاعب بالمساعدات.
#الأطراف المتحاربة تتعامل مع الغذاء كجزء من استراتيجيتها العسكرية:
من يسيطر على الطعام يسيطر على الناس ومن يمنع الغذاء عن خصمه يحقق نصراً على المدى الطويل وهذا السلوك يوضح كيف تحولت الحرب في السودان من صراع على السلطة إلى صراع يهدد بقاء الشعب نفسه.
#المجتمع الدولي بدوره يكتفي بإطلاق التحذيرات وإرسال بعثات لتقصي الحقائق لكن تأثيره محدود جداً بسبب تعنت الأطراف المتحاربة وعدم استجابة أي طرف لنداءات فتح ممرات إنسانية آمنة فالاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية جميعهم أصدروا بيانات متكررة لكن دون آليات تنفيذ. وحتى حين حاولت بعض الدول مثل /تشاد و/جنوب السودان التوسط لفتح ممرات غذائية اصطدمت بمصالح قوى الحرب التي رأت في المساعدات ورقة ضغط تفاوضية لا يمكن التنازل عنها وإذا استمرت الأوضاع على هذا النحو فإن ما يحدث الآن من مجاعة منكرة سيعلن قريباً /كـمجاعة كبرى بالمعنى التقني الذي تعتمده الأمم المتحدة وهو إعلان يعني أن أعداداً كبيرة من الناس تموت فعلاً بالجوع يومياً.
وقتها لن تنفع محاولات الإنكار ولا التلاعب بالأرقام بل سيصبح السودان في صدارة نشرات الأخبار العالمية كأكبر مأساة إنسانية في القرن الحادي والعشرين.
#المأساة السودانية اليوم ليست مأساة أرقام وإحصاءات فقط بل هي مأساة أخلاقية قبل أن تكون سياسية أو اقتصادية فحين تباع المساعدات في السوق السوداء بينما ينام الأطفال على بطون خاوية فهذا يعني أن الضمير الجمعي قد انهار وأن الحرب لم تعد فقط بين جنرالات بل بين قلة متخمة وشعب يموت ببطء
في إحدى الزيارات لمخيم نازحين في الجزيرة، سألوا طفلاً صغيراً عن أمنيته فقال: (#أريد أن أجد خبزاً مثلما كان عندنا قبل الحرب) هذه الكلمات البسيطة تكثف عمق الجرح فالأطفال لم يعودوا يحلمون بلعبة أو تعليم، بل بكسرة خبز ولازال المجد للبندقية هو سيد الموقف..!!
#إن معالجة هذه الأزمة تتطلب ما هو أبعد من الشحنات الغذائية الطارئة إذ يجب أن تكون هناك آلية دولية صارمة لمراقبة وصول المساعدات وضمان توزيعها المباشر على المحتاجين بعيداً عن أيدي الأطراف المسلحة.
كما يجب أن يضغط المجتمع الدولي بكل الوسائل لفتح ممرات إنسانية آمنة تحت حماية دولية لأن ترك الأمر للأطراف المتحاربة يعني استمرار الجوع كسلاح على المدى البعيد ويحتاج السودان إلى إعادة بناء مؤسساته الزراعية والغذائية وإعادة إعمار المناطق المدمرة ليعود الناس إلى مزارعهم لكن ذلك كله يتوقف على وقف الحرب أولاً.
#الخلاصة
أن السودان يعيش اليوم بين مجاعة منكرة في الخطاب وحقيقية في الواقع وبين إغاثات متوفرة في السوق السوداء ومعدومة في منازل النازحين بين أطفال يموتون بصمت وسياسيين يتصارعون على السلطة ولوبحرق البلد بين مجتمع دولي يكتفي بالتفرج وشعب يواجه الفناء وإذا لم يُكسر هذا المسار قريباً فإن التاريخ سيسجل أن السودان لم يهزم في ميادين القتال بقدر ما انهزم في معركة الخبز وما أشد مرارة أن يموت الإنسان جوعاً في أرض توصف منذ عقود بأنها /سلة غذاء العالم..!!



