الأعمدة

أركاداغ: الساحرة المستديرة في قبضة العائلات الحاكمة… من القذافي وعدي صدام إلى “البطل الحامي” في تركمانستان

#image_title
#image_title

#image_title
#image_title

#روما، رضوان علي الحسن
في عالم كرة القدم، حيث تتداخل الخطط التكتيكية مع الأهواء السياسية، وتتحول الميادين الخضراء إلى مسارح لعرض النفوذ وبناء الأساطير، تبرز ظاهرة نادي أركاداغ التركمانستاني كأحدث وأغرب فصول هذه الملحمة. إنها قوة إحصائية صادمة تتفوق على عمالقة أوروبا، ولكنها تروي في حقيقة الأمر قصة هيمنة صنعتها إرادة السلطة المطلقة.
منذ عقود، شهدت الساحرة المستديرة ولادة فرق ارتبط مصيرها بمصير العائلات الحاكمة. ففي ليبيا، كان الساعدي القذافي نجم الكرة وقائد المنتخب.والداعم لنادي الاتحاد الليبي وفي العراق، سيطر عدي صدام حسين على نادي الرشيد بيد من حديد. أما في سوريا، فقد أسست عائلة الأسد نفوذها عبر أندية مثل الجيش وجبلة والقرداحه وتشربن بينما دعم الأمين العام لكرة القدم سابقا رهيف علامة نادي الأنصار في لبنان. اليوم، يأتي نادي أركاداغ ليكمل هذه السلسلة، لكنه يتفوق عليها جميعاً بإنجازه الإحصائي الذي يتحدى المنطق الرياضي.
تأسس النادي في أبريل 2023، ليس كنتاج لتطور رياضي طبيعي، بل كمشروعٍ مُعلن لتكريم الرئيس السابق قربان قولي بردي محمدوف، الملقب بـ”أركاداغ” أي “البطل الحامي”. ببرعاية مباشرة من العائلة الحاكمة، تم إدراجه فوراً في دوري النخبة، متخطياً جميع مراحل التأسيس الطبيعية، لتبدأ رحلة من السيطرة المطلقة التي لم يشهدها العالم من قبل.
ما حدث بعد التأسيس كان أقرب إلى الخيال. في موسمه الأول، حقق النادي المستحيل الإحصائي: فاز بجميع مباريات الدوري الـ24، محققاً العلامة الكاملة (72 نقطة)، سجّل خلالها 111 هدفاً وتلقى 20 هدفاً فقط. لم يكتفِ بذلك، بل حصد لقب كأس تركمانستان دون أي خسارة، ليحقق “الثنائية التاريخية” في عامه الأول.
هذه السلسلة الأسطورية لم تتوقف عند هذا الحد، بل تواصلت لتبلغ 36 انتصاراً متتالياً في الدوري المحلي، متخطية بذلك جميع الأرقام القياسية العالمية المسجلة. الأكثر إثارة للدهشة أن النادي واصل هيمنته في الموسم التالي، وسجّل 25 هدفاً في 5 مباريات فقط، بينما تلقى هدفين فقط.
لكن behind these numbers تكمن قصة أخرى. فوسط المدينة الجديدة التي تحمل الاسم نفسه “أركاداغ”، والتي بُنيت بتكلفة 5 مليارات دولار، يقف ملعب فاخر يتسع لعشرة آلاف متفرج، لكن مدرجاته تظل شبه خاوية، حيث لا يتجاوز عدد الحضور مئتي مشجع في المباريات الحاسمة، رغم تقديم التذاكر مجاناً.
السلطات الرياضية في تركمانستان، واحدة من أكثر دول العالم انغلاقاً وفقاً لمنظمات حقوق الإنسان، تعمل على تعزيز هذه الأسطورة. فقد أُزيلت أي إشارة إلى هزيمتين وديتين تعرض لهما الفريق أمام فرق أوكرانية، في فبراير 2024، من سجلات الاتحاد التركماني الرسمي.
التحدي الحقيقي للنادي جاء في البطولات الآسيوية، حيث توج بلقب دوري التحدي الآسيوي في مايو 2025، متغلباً على برياه خان ريتش سفاي رينغ الكمبودي 2-1 بعد التمديد. هذا الإنجاز الآسيوي يبقى المحك الحقيقي لقوة الفريق خارج ملاذه المحلي الآمن.
يقول هداف الفريق ديدار دوردييف: “نشعر بدعم البطل الحامي المحترم قربان قولي بردي محمدوف”. لكن المنتخب الوطني التركمانستاني، الذي يعتمد بشكل كبير على لاعبي أركاداغ، لم يفز بأية مباراة منذ يونيو 2022، ويحتل المركز رقم 143 في تصنيف الفيفا.
قصة أركاداغ تبقى لغزاً رياضياً وسياسياً معاً. هي قوة إحصائية لا يمكن إنكارها، لكنها تطرح أسئلة عميقة عن طبيعة الرياضة في ظل الأنظمة الشمولية، حيث تذوب الحدود بين الإرادة الرياضية والإرادة السياسية، لتصنع مجداً رقمياً يناقض واقعاً آخر من الانغلاق والغياب الجماهيري. إنه نادي حقق كل شيء محلياً، لكنه يبقى أسير الإحصائيات التي صنعتها إرادة واحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى