الأعمدة

شكوى بلا صفة.. هل يسقط قرار لجنة الاستئنافات بالاتحاد السوداني لكرة القدم بتجريد الهلال من لقب دوري النخبة لعيب في “أهلية” المشتكي؟ “

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في واقعة تُعد من أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ الكرة السودانية، أصدرت لجنة الاستئنافات بالاتحاد السوداني لكرة القدم، خلال اجتماعاتها المنعقدة بين 8 و10 يوليو 2026، قراراً يقضي بقبول استئناف نادي المريخ ضد مشاركة عدد من لاعبي الهلال الأجانب في مباراة القمة (الديربي)، واعتبار الهلال خاسراً للمباراة بنتيجة (2-0)، وهو ما ترتب عليه انتزاع لقب دوري النخبة للموسم 2025-2026 من الهلال ومنحه للمريخ.
القرار أثار موجة استنكار واسعة داخل أوساط نادي الهلال، الذي وصفه بأنه “قرار لا يسنده قانون”، مؤكداً أنه أحرز اللقب داخل الملعب بجهود لاعبيه طوال الموسم. غير أن الإشكالية القانونية الأخطر التي يثيرها هذا الملف لا تتعلق بموضوع الشكوى ذاته (مخالفة عدد اللاعبين الأجانب)، بل تتعلق بمسألة أسبق وأكثر جوهرية في أي خصومة قانونية أو رياضية: هل كانت الجهة التي تقدمت بالشكوى أصلاً مؤهلة قانوناً لتمثيل نادي المريخ أمام لجنة الاستئنافات؟
أولاً: قاعدة “الصفة” كشرط لقبول أي دعوى أو شكوى
من المبادئ المستقرة في فقه المرافعات، سواء أمام القضاء العادي أو أمام الهيئات شبه القضائية كلجان الاستئنافات الرياضية، أن الصفة شرط جوهري لقبول أي طعن أو شكوى شكلاً، بصرف النظر عن مدى وجاهة موضوعها. فإذا تبين أن مقدّم الشكوى لا يملك السند القانوني الذي يخوّله التحدث باسم الجهة التي يدّعي تمثيلها، فإن الشكوى تسقط لعيب في تأسيسها، ولا تصل الهيئة الناظرة أصلاً إلى مرحلة بحث الموضوع.
بعبارة أخرى: لو صحّ أن الجهة التي وقّعت الشكوى ضد الهلال لم تكن ممثلاً شرعياً لنادي المريخ، فإن قرار لجنة الاستئنافات بقبول الاستئناف وتجريد الهلال من اللقب يصبح مبنياً على إجراء باطل من أساسه، بصرف النظر عن مدى صحة الواقعة المتعلقة بعدد اللاعبين الأجانب.
ثانياً: ماذا قضت محكمة التحكيم الرياضي الدولي (كاس) فعلاً؟
في إطار النزاع الذي احتدم بين مجلسي إدارة نادي المريخ المتنافسين – مجلس آدم عبدالله سوداكال من جهة، ومجلس حازم مصطفى من جهة أخرى – عقب انتخابات الجمعية العامة للاتحاد السوداني لكرة القدم المنعقدة في نوفمبر 2021، أصدرت محكمة التحكيم الرياضي الدولي (CAS) حكمها الذي تضمّن:
تأكيد صحة وشرعية رئاسة آدم عبدالله آدم سوداكال لنادي المريخ ولمجلسه المنتخب في اجتماعات ستاد المريخ بسبتمبر 2021.
التقرير بأن مجلس حازم مصطفى لم يثبت حصوله على الشرعية اللازمة لتمثيل النادي في الجمعية العامة للاتحاد المنعقدة في 13 نوفمبر 2021، وأن لجنة الانتخابات بالاتحاد السوداني لم تكن مصيبة حين اعتمدت مجلس حازم مصطفى ممثلاً للمريخ.
ترتيباً على ذلك، اعتُبر مجلس حازم مصطفى ومجموعته غير مخوّلين قانوناً بالتوقيع أو التعاقد أو التصرف باسم النادي، لافتقادهم السند الشرعي، وذلك في إطار قرار التدابير المؤقتة والتحفظية الصادر عن المحكمة.
هذا الحكم صدر في سياق نزاع انتخابي محدد بزمانه (نهاية 2021 ومطلع 2022)، وكان مقصوراً من الناحية الشكلية على تحديد الجهة الأحق بتمثيل المريخ في تلك الجمعية العامة تحديداً – وهذا التحديد الزمني والموضوعي هو ما يفرض علينا في القسم التالي من هذا المقال أن نفحص، حلقة بحلقة، مدى امتداد أثر هذا الحكم على الجهة التي وقّعت شكوى 2026.
ثالثاً: الإشكال الزمني – من يمثل المريخ اليوم؟ تحليل حلقة بحلقة
هنا يكمن الموطن الأدق في أي مرافعة قانونية جادة: فمنذ صدور حكم “كاس” في 2022 وحتى تاريخ تقديم الشكوى ضد الهلال في يونيو 2026، تعاقبت على إدارة نادي المريخ عدة مجالس وتشكيلات إدارية مختلفة. وأي مرافعة رصينة تستند إلى ذلك الحكم يجب أن تميّز بدقة بين ما هو مؤكد قضائياً وما هو مجرد استنتاج يحتاج إثباتاً إضافياً، تفادياً لأن يُدحض الدفع بأكمله بسهولة أمام الهيئة الناظرة. وفيما يلي تحليل كل حلقة من حلقات هذه السلسلة على حدة:
1) مجلس حازم مصطفى (2021-2022): غير شرعي بحكم قضائي صريح
هذا هو الموطن الوحيد الذي صدر بشأنه حكم فعلي وقاطع من “كاس”، إذ قضت المحكمة صراحة بعدم ثبوت شرعية هذا المجلس لتمثيل النادي في جمعية الاتحاد السوداني المنعقدة في نوفمبر 2021. لا خلاف هنا: الحكم واضح ولا يحتاج استنتاجاً.
2) مجلس أيمن أبوجيبين (استقال ديسمبر 2023): لا يسري عليه أثر الحكم تلقائياً
تشير المعطيات المتاحة إلى أن أبوجيبين تولى الرئاسة بصفته “الرئيس المنتخب”، أي عبر جمعية عمومية انتخابية مستقلة زمنياً وموضوعياً عن جمعية 2021 محل حكم “كاس” وعليه، فإن سند الحكم – المقصور على تلك الجمعية تحديداً – لا ينسحب تلقائياً على مجلس أبوجيبين. القول بغير ذلك يستلزم دليلاً إضافياً يثبت أن انتخابه شابه ذات العيب الإجرائي الذي عابته “كاس” على جمعية 2021، وهو دليل غير متوافر حتى الآن.
3) مجلس عمر النمير (يناير 2024 – يوليو 2025): آلية داخلية اعتيادية
لم يُنتخب النمير، بل عُيّن من داخل مجلس الإدارة القائم لسد الشغور الناتج عن استقالة أبوجيبين، لحين انعقاد جمعية عمومية. هذه آلية داخلية معتادة في اللوائح الأساسية للأندية، ومشروعيتها مرهونة بشرعية المجلس الذي قام بالتعيين. وبما أن مجلس أبوجيبين لم يثبت أنه غير شرعي (البند 2 أعلاه)، فلا يوجد أساس قوي راهناً لنسب عيب عدم الشرعية إلى تعيين النمير استناداً إلى حكم كاس القديم بمفرده.
4) لجنة التسيير الحالية برئاسة مجاهد سهل (أغسطس 2025 – حتى تاريخه): آلية استثنائية مختلفة
تشكيل “لجنة تسيير” عقب استقالة مجلس النمير بكامله هو عادة إجراء استثنائي مؤقت لإدارة النادي لحين انتخابات جديدة. وصفها بعدم الشرعية استناداً إلى حكم صدر بحق مجلس حازم مصطفى في 2022 يتطلب إثبات صلة مباشرة ومستمرة بين الحكم وهذه اللجنة، وهو أمر لا تسنده الوقائع المتاحة حالياً.
خلاصة التحليل المرحلي: الحلقة الوحيدة التي يمكن الجزم بعدم شرعيتها استناداً إلى سند قضائي صريح هي مجلس حازم مصطفى حصراً. أما وصف بقية السلسلة (أبوجيبين، النمير، لجنة التسيير) بعدم الشرعية، فيبقى حجة قانونية مطروحة للنقاش وليس واقعة مقطوعاً بها، ما لم يُقدَّم دليل إضافي يُثبت أن الجهة الموقعة على شكوى 2026 امتداد فعلي وقانوني غير منقطع لمجلس حازم مصطفى تحديداً، أو أنها لم تحصل قط على أي تفويض أو اعتماد لاحق من الجمعية العمومية أو الاتحاد السوداني لكرة القدم يصحح وضعها. ومن يريد التمسك بهذا الدفع أمام الجهات المختصة، عليه أن يُركّز جهده على إثبات هذه الحلقة الأخيرة تحديداً، لا على استدعاء حكم 2022 وحده كسند كافٍ لتجريد كل من جاء بعد حازم مصطفى من الصفة.
وهذا التمييز الدقيق بين الحلقات هو بالضبط ما يحدد طبيعة الأثر القانوني الذي قد يترتب على الدفع، وهو ما نعرضه في القسم التالي.
رابعاً: الأثر القانوني المحتمل إذا ثبت الدفع
في حال تمكّن نادي الهلال، أو أي طرف ذي مصلحة، من إثبات أن الجهة الموقعة على الشكوى تفتقر للصفة القانونية – سواء بإثبات الصلة المباشرة بمجلس حازم مصطفى، أو بإثبات انعدام أي تفويض أو اعتماد لاحق للجنة التسيير الحالية – فإن الأثر القانوني المترتب على ذلك يكون جسيماً:
بطلان الشكوى شكلاً، وسقوط الأساس الذي بُني عليه قرار لجنة الاستئنافات.
بطلان تبعي لقرار تجريد الهلال من اللقب ومنحه للمريخ، باعتباره أثراً مترتباً على إجراء باطل.
إمكانية لجوء الهلال إلى الاستئناف أمام الهيئات الرياضية العليا (بما فيها “كاس” ذاتها)، مستنداً إلى الدفع الشكلي بانتفاء الصفة، إلى جانب أي دفوع موضوعية أخرى يرونها مناسبة تتعلق بتفسير لائحة عدد اللاعبين الأجانب.
غير أن قوة هذا الدفع، كما بيّنّا، تتوقف كلياً على مدى القدرة على سد الفجوة الإثباتية في الحلقة الأخيرة من السلسلة، لا على مجرد استدعاء سابقة قضائية قديمة.
يمثل هذا الملف نموذجاً دقيقاً لتشابك القانون الرياضي مع الاستقرار المؤسسي للأندية ، فحتى لو صحّت وقائع مخالفة عدد اللاعبين الأجانب من الناحية الفنية، يبقى السؤال الأسبق قائماً: من يملك حق الكلام باسم نادي المريخ أصلاً؟ غير أن الإجابة عن هذا السؤال ليست موحدة الوزن القانوني عبر كامل السلسلة الإدارية التي تعاقبت على النادي،فبينما يقف الدفع بعدم شرعية مجلس حازم مصطفى تحديداً على أرضية صلبة (حكم صريح من “كاس”)، فإن مد هذا الدفع إلى ما بعده (أبوجيبين، النمير، لجنة التسيير الحالية) يبقى حجة تحتاج إثباتاً مستقلاً، لا استنتاجاً تلقائياً.
وعليه، فإن أي طرف يريد البناء على هذا الدفع أمام الجهات المختصة – سواء الاتحاد السوداني أو محكمة التحكيم الرياضي الدولي – سيكون عليه أن يوجّه جهده تحديداً نحو إثبات الحلقة الأخيرة في السلسلة: هل لجنة التسيير الحالية، التي وقّعت الشكوى ضد الهلال، تحظى بتفويض أو اعتماد سليم من الجمعية العمومية أو الاتحاد السوداني، أم أنها لا تزال تفتقر لهذا السند؟ فهذا السؤال، لا استدعاء حكم 2022 وحده، هو ما سيحدد في النهاية مصير اللقب ومصير الدفع الشكلي بانتفاء الصفة.

زر الذهاب إلى الأعلى