انتشار لبس الرتب بمختلف درجاتها وحمل السلاح من غير الأجهزة النظامية يهدد ما تبقى من أمان السودان في عهد اللادولة وتمجيد البندقية..!!!
المستشار/#مهيد شبارقة
منذ أن دخل السودان نفق حرب الخامس عشر من أبريل العبثية تراجع مفهوم الدولة حتى كاد أن يذوب في تفاصيل الصراع العبثي بين جنرالات الجيش وقادة المليشيات وبين مصالح القوى الإقليمية والدولية المتشابكة ومع تراجع هيبة الدولة تصدرت مشهد الحياة اليومية ظواهر لم تكن مألوفة في تاريخ البلاد أبرزها انتشار ارتداء الرتب العسكرية بمختلف درجاتها دون سند مؤسسي وحمل السلاح على نطاق واسع من غير أن يكون في يد الأجهزة النظامية وهذه الظاهرة ليست مجرد مظهر سطحي أو استعراض فارغ بل هي علامة فارقة على دخول السودان مرحلة (#اللادولة)بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.حيث تتساوى الرتب المصنوعة أو المشتراة مع تلك التي مُنحت عبر مسيرة مهنية طويلة في مؤسسات عسكرية محترفة وحيث يُمجد السلاح باعتباره المرجع الأعلى ويتراجع صوت القانون والدستور والشرعية.
أولاً: #الرتبة العسكرية بين رمزيتها وانهيار معناها
١. الرتبة العسكرية في الوعي السوداني
في الأصل رمز للانضباط، وللاحترافية، وللتدرج داخل مؤسسة نظامية لها تقاليد راسخة وقوانين تضبط سلوك أفرادها فكانت الرتبة تعني شرف الخدمة العسكرية وتُضفي على حاملها احتراماً خاصاً وسط المجتمع لأنها ارتبطت في ذاكرة السودانيين بصورة الجندي الذي يحرس الحدود ويذود عن الوطن.
٢.من رمز للهيبة إلى سلعة في السوق
فاليوم تغيّر المشهد فلم تعد الرتبة محصورة على الكلية الحربية أو الشرطة أو الأجهزة النظامية بل يمكن أن تراها على أكتاف أفراد مليشيات قبلية أو شباب لم يتجاوزوا العشرين أو حتى تجار بصل وسماسرة يبحثون عن مكانة اجتماعية وسط الفوضى.
غفي بعض الأسواق بالخرطوم ومدني ومدن دارفور تُباع الرتب مثلها مثل أي سلعة أخرى: /نجوم/نياشين/كابات مزيفة، وحتى /#بزّات كاملة مستوردة من الخارج…!!!
هذا الانهيار الرمزي يعكس خطورة غياب الدولة، حيث لم يعد المواطن قادراً على التمييز بين ضابط حقيقي خدم في الجيش سنوات وبين شاب يضع رتبة عقيد اوعميد” أو فريق وهو لم يجتز أي تدريب نظامي فقط سلفقة وتمكين
٣. شهادات من الميدان:
يقول العقيد (م) محمد عبد الله في حديث:
(أخطر ما يحدث اليوم أن الرتبة فقدت قدسيتها فحين ترى عشرات الأشخاص يرتدون زيّاً عسكرياً مختلفاً برتب متناقضة يدّعون جميعاً السلطة والنفوذ، تعرف أن معنى المؤسسة العسكرية قد تآكل تماماً وهذا ماهو حادث..!!)
ثانياً: #عندما يصبح الرصاص لغة التخاطب ومتوفر بكل الايدي:
١/انتشار غير مسبوق للسلاح فلم يعد حمل السلاح في السودان حكراً على الجيش أو الشرطة أو حتى الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقيات فمنذ انفجار الحرب العبثية أصبحت الأسلحة الخفيفة والرشاشات وحتى الأسلحة الثقيلة تباع وتشترى علناً.
وفي تقارير أممية صدرت منتصف 2024 قُدِّر أن السودان بات أحد أكبر أسواق السلاح المفتوحة في المنطقة وأن عشرات الآلاف من قطع السلاح خرجت من مخازن الجيش أوصودرت من مواقع المعارك أو دخلت عبر الحدود مع ليبيا وتشاد وجنوب السودان.
٢/#من.الساعي لعسكرة المجتمع
باتت القرى والمدن أشبه بمعسكرات مفتوحة حيث يحمل الراعي بندقية ويحمل التاجر مسدساً ويحمل الطفل الكلاشنكوف كأنه لعبة هذا الانتشار العشوائي حوّل السودان لساحة دائمة للرعب.
يقول الباحث في الشؤون الأمنية، د. الطيب الصادق:
(لم يعد السلاح مجرد أداة قتال بل أصبح وسيلة صعود اجتماعي فالشاب الذي يحمل سلاحاً يُعامل باحترام أو خوف بينما الأعزل يُعتبر ضعيفاً بلا قيمة.”
٣/من حماية القبيلة إلى تهديد الدولة
جزء من هذه الظاهرة مرتبط بثقافة حماية القبيلة والعشيرة حيث ترى كل مجموعة أن امتلاك السلاح ضرورة للبقاء في مواجهة الآخرين لكن مع مرور الوقت، تجاوز السلاح وظيفته الدفاعية، ليصبح أداة للنهب ولتصفية الحسابات الشخصية وللسيطرة على الموارد والأسواق.
ثالثاً: #عهد “اللادولة” فحين يتساوى الجميع في الفوضى يحدث
١/غياب الدولة وانهيار المؤسسات
فمع استمرار الحرب، غابت الدولة ككيان مركزي يفرض القانون فالمحاكم معطلة، الشرطة ممزقة الجيش منشغل والمليشيات تتصرف وفق أهوائها في هذا السياق لم يعد للرتبة أو للسلاح معنى مؤسسي بل صار الاثنان معاً رمزاً لفوضى شاملة.
٢. تمجيد البندقية كقيمة اجتماعية
ففي مجتمعات دارفور وكردفان، بل وحتى في بعض أحياء الخرطوم ومدني صار التباهي بالسلاح جزءاً من الثقافة اليومية فتُقام الأعراس بقرع الرصاص وتُحل النزاعات بين الشباب عبر استعراض البنادق وتُغني بعض الفرق الشعبية أغاني تمجد #المجاهد” أو “#القائد” الذي يملك السلاح والرتبة.
هذا التمجيد للبندقية على حساب القلم أو العقل يهدد مستقبل جيل كامل إذ ينشأ الأطفال وهم يعتقدون أن السلطة تُؤخذ بالقوة لا بالقانون أو الحوار.
رابعاً: #الآثار المدمرة على المجتمع والدولة
١.#الأثر الأمني
سيتحول السودان تدريجياً إلى ساحة مليئة بجيوش صغيرة متناحرة بلا قيادة موحدة ولا مرجعية كل مليشيا تفرض سيطرتها على رقعة جغرافية وتجبي الضرائب بطريقتها وتطبق قوانينها الخاصة هذا التفكك يُعيد إلى الأذهان تجربة /#الصومال في التسعينات، حين انقسمت البلاد بين أمراء الحرب.
٢. #الأثر الاجتماعي
يتآكل النسيج الاجتماعي فالقبائل تُسلّح أبناءها بدلاً من إرسالهم إلى المدارس، والبيوت تُخزن الرشاشات بدلاً من الكتب والمرأة تخشى السير في الشارع لأن أي شخص يرتدي رتبة قد يوقفها ويفرض عليها ما يشاء.
٣.#الأثر السياسي
تنعدم فرص أي حوار وطني جاد، لأن التوازنات تُبنى على من يملك أكثر من السلاح لا من يملك برنامجاً سياسياً أو رؤية اقتصادية فالقوى المدنية تُهمش تماماً والجنرالات والمليشيات هم من يحددون مصير البلاد.
خامساً: #مقارنات تاريخية حين تتكرر الدائرة
١. #الصومال
في التسعينات شهد الصومال انهيار الدولة وانتشار السلاح والرتب الوهمية. والنتيجة كانت حرباً أهلية استمرت عقوداً ومجتمعاً مفككاً لم تستطع أي حكومة أن تعيده إلى سابق عهده بسهولة واليوم يرى كثير من المحللين أن السودان يسير في ذات الاتجاه إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة.
٢. #ليبيا
بعد سقوط القذافي انتشرت المليشيات المسلحة وكل مجموعة لبست زيّاً ورتباً عسكرية واعتبرت نفسها جيشاً قائماً بذاته وهذا المشهد يتكرر في السودان حرفياً حيث تعددت الجيوش والملايض والقيادات وغابت الدولة.
٣.#لبنان
خلال الحرب الأهلية تحولت البندقية إلى عنوان سياسي واجتماعي وأصبح لكل طائفة جيشها الخاص ورغم انتهاء الحرب فإن ظاهرة السلاح خارج الدولة ما زالت قائمة فهذه التجربة توضح أن استعادة هيبة الدولة قد تحتاج عقوداً إذا لم تُحسم مبكراً.
سادساً: #شهادات وآراء محللين
ففي شهادة أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، د. حسن الفكي افاد بأن:
(انتشار الرتب العسكرية المزيفة هو الوجه الآخر لغياب الدولة فعندما يفقد المواطن ثقته في المؤسسات يبحث عن بدائل رمزية تمنحه شعوراً بالقوة لكن هذه البدائل تعمق الفوضى وتُطيل أمد الحرب.”
#شهادة الصحفي السوداني، خالد عبد العزيز:
(#ما نراه اليوم ليس مجرد ظاهرة أمنية بل تحول ثقافي خطير فالجيل الجديد يتربى على فكرة أن السلطة هي رصاصة وأن الشرعية هي رتبة تُشترى أو تُفبرك.”
#شهادة محلل أمني مصري، اللواء (م) محمود رسلان:
(#السودان يواجه الآن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة: فقدان احتكار السلاح. إذا لم يُحسم هذا الملف فلن تنجح أي عملية سياسية أو تسوية).”
سابعاً: #سيناريوهات المستقبل
1/الاستمرار في الفوضى:
وهو السيناريو الأقرب إذا لم تتدخل قوى إقليمية ودولية حيث يتعمق الانقسام وتتحول البلاد إلى كانتونات مسلحة.
2. تدخل إقليمي أو دولي:
عبر مبادرات لدمج المليشيات وحصر السلاح شبيهة بتجارب نزع السلاح في ليبيريا وسيراليون.
3.صحوة داخلية:
قد تنشأ من ضغط شعبي ومدني يرفض استمرار تمجيد البندقية ويدفع باتجاه استعادة الدولة.
ثامناً: #نحو استعادة هيبة الدولة
استعادة السودان لأمنه وهيبته تمر عبر خطوات واضحة:
١/حصر السلاح في يد القوات النظامية، عبر برامج نزع السلاح وجمعه.
٢/تجريم ارتداء الرتب العسكرية خارج المؤسسة الرسمية.
٣/إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة عبر العدالة والخدمات.
٤/مشروع وطني جامع يضع حداً لثقافة العنف، ويستبدلها بثقافة الحوار والقانون.
#خاتمة: هل يعود السودان إلى دولة القانون؟
#وهل يستطيع السودان استعادة مكانته كدولة قانون ومؤسسات أم أن عهد اللادولة البين هذا سيستمر إلى أن يُرهق الجميع..؟
إن انتشار لبس الرتب وحمل السلاح من غير الأجهزة النظامية ليس مجرد عرض جانبي بل هو قلب الأزمة وجوهرها فإذا لم يُعالج هذا الانفلات فإن ما تبقى من السودان مهدد بالذوبان في فوضى لا نهاية لها



