

كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في تطور يُنذر بعواقب وخيمة على مستقبل السودان كدولة معترف بها دولياً، تتجه الدوائر السياسية الأمريكية نحو تبني استراتيجية جذرية جديدة تتجاوز العقوبات التقليدية والمبادرات الدبلوماسية المعتادة. فقد ظهرت مؤشرات قوية على توجه الكونغرس الأمريكي نحو استخدام آلية قانونية معقدة ونادرة الاستخدام لنزع الاعتراف الدولي بأي تمثيل رسمي للسودان في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وذلك من خلال تفعيل المادة 29 من النظام الداخلي للجمعية العامة للأمم المتحدة.
تمثل هذه الخطوة تصعيداً نوعياً في طبيعة الضغوط الدولية المفروضة على الخرطوم، إذ تنتقل من مجرد عقوبات اقتصادية وسياسية إلى محاولة جدية لتقويض الشرعية القانونية للنظام الحالي على المستوى الدولي. والمادة 29 التي يُخطط لتفعيلها تسمح للدول الأعضاء بالطعن في شرعية ممثلي دولة معينة، حيث إذا اعترضت دولة عضو على اعتماد أي ممثل، فإن هذا الممثل يُقبل مؤقتاً حتى تقدم لجنة الاعتماد تقريرها وتتخذ الجمعية العامة قرارها النهائي.
هذه الآلية ليست وليدة اللحظة، فقد استُخدمت في حالات معقدة سابقة مثل قضية تمثيل الصين عام 1971 بين جمهورية الصين الشعبية وتايوان، وحالة كمبوديا في فترة الخمير الحمر، وقضية جنوب أفريقيا زمن نظام الفصل العنصري، وحالات أكثر حداثة مثل ميانمار وأفغانستان بعد التغييرات السياسية الجذرية فيهما. لكن تطبيقها على السودان سيكون له دلالات خاصة نظراً للطبيعة المعقدة للأزمة السودانية والتداخلات الإقليمية والدولية فيها.
في حالة تطبيق هذه الآلية على السودان، فإن النتائج ستكون بعيدة المدى ومتعددة الأوجه. على المستوى المؤسسي، سيؤدي الأمر إلى تجميد مشاركة السودان في التصويت داخل الجمعية العامة، وعدم الاعتراف بأي اتفاقيات دولية يوقعها الممثلون الحاليون، واستبعاد السودان من المناقشات والقرارات المهمة في المنظمات الأممية، وتعطيل الوصول إلى آليات التمويل الدولي والمساعدات الرسمية. أما على المستوى الرمزي، فسيؤدي إلى إضعاف شرعية النظام الحالي أمام الرأي العام المحلي والإقليمي، وتقوية موقف المعارضة والقوى المدنية، وإرسال رسالة واضحة للحلفاء الإقليميين بأن دعم النظام الحالي لم يعد مجدياً على المستوى الدولي.
يأتي هذا التوجه الأمريكي في سياق تصاعد التوترات بين واشنطن والخرطوم، خاصة بعد رفض الفريق عبد الفتاح البرهان الصريح لبيان المجموعة الرباعية الذي صدر مؤخراً والذي ضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات. فقد أعلن البرهان في تصريحات أخيرة أن “بيان المجموعة الرباعية بشأن السودان لا يعنينا”، مؤكداً أن “أي مبادرة لا تشارك الحكومة السودانية في صياغة نتائجها تعتبر غير ملزمة لها”، وأنه أبلغ الولايات المتحدة رفض الخرطوم القاطع لفرض أي أجندة خارجية أو حلول لا تحظى بقبول السودانيين.
هذا الموقف المتصلب من جانب البرهان يعكس استراتيجية دفاعية تعتمد على رفض أي تدخل خارجي يُنظر إليه كـ “وصاية”، والتمسك بالسيادة الوطنية كمبرر لرفض المبادرات الدولية، ومحاولة كسب الرأي العام المحلي من خلال خطاب المقاومة ضد الضغوط الخارجية. لكن هذا الموقف يصطدم بواقع دولي معقد يضع السودان في موقف صعب للغاية.
بيان المجموعة الرباعية الأخير دعا إلى “هدنة إنسانية لثلاثة أشهر أولية، لتمكين الدخول السريع للمساعدات الإنسانية إلى جميع أنحاء السودان، لتؤدي فوراً إلى وقف دائم لإطلاق النار، ثم يجب إطلاق عملية انتقال شاملة وشفافة وإنجازها خلال تسعة أشهر”. هذا الطرح يشير إلى تنسيق إقليمي لممارسة ضغوط متصاعدة على الخرطوم، ووضع جدول زمني محدد للانتقال المدني، وربط التطبيع مع النظام بشروط سياسية واضحة ومحددة زمنياً.
في حالة تطبيق آلية نزع الاعتراف بالتمثيل السوداني، فإن عدة سيناريوهات محتملة تلوح في الأفق. السيناريو الأول يتمثل في استجابة الخرطوم للضغوط من خلال قبول ضرورة التفاوض مع القوى المدنية، والبحث عن صيغة انتقالية تحفظ ماء الوجه للعسكر، والتوجه نحو تسوية سياسية تضمن الاعتراف الدولي المجدد. أما السيناريو الثاني فيقوم على التصعيد والمواجهة من خلال رفض كامل للضغوط الدولية والاعتماد على الحلفاء الإقليميين، والسعي لبناء تحالفات بديلة خارج النظام الدولي التقليدي، ومحاولة استغلال التوترات الجيوسياسية الدولية لكسر العزلة. في حين يتمثل السيناريو الثالث والأكثر خطورة في التدهور نحو الفوضى من خلال تآكل سلطة المركز وتفكك الدولة تدريجياً، وتصاعد العنف المسلح وانهيار الخدمات الأساسية، وربما تدخل دولي مباشر أو غير مباشر لمنع انهيار كامل.
من منظور القانون الدولي، فإن استخدام آلية المادة 29 ضد السودان يطرح تساؤلات مهمة حول مدى استيفاء الحالة السودانية لمعايير الطعن في الاعتماد، والأسس القانونية لاعتبار النظام الحالي غير شرعي، وكيفية التعامل مع التحديات القانونية المحتملة. كما تثير قضايا حساسة حول مقارنة الحالة السودانية بالحالات السابقة، ومعايير التطبيق ومدى اتساقها مع الممارسة الدولية، وتأثير هذا الإجراء على مبدأ السيادة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول.
رغم حدة التصعيد الحالي، تبقى هناك نوافذ للحل السياسي تتطلب من جميع الأطراف إعادة النظر في مواقفها. على المستوى الداخلي، تبرز ضرورة إعادة تقييم التوازنات السياسية الداخلية، والبحث عن صيغة توافقية تجمع العسكر والمدنيين، ووضع خارطة طريق واضحة للانتقال الديمقراطي. وعلى المستوى الإقليمي، يمكن الاستفادة من الوساطة الإقليمية لتجنب المواجهة المباشرة، والتنسيق مع الأشقاء العرب والأفارقة لإيجاد مخرج شرفي، وتجنب تحويل الأزمة إلى ساحة للصراعات الإقليمية. أما على المستوى الدولي، فيتطلب الأمر الاستجابة الإيجابية للمبادرات الدولية الجدية، وتقديم ضمانات حقيقية لحماية المصالح المشروعة لجميع الأطراف، والالتزام بجدول زمني واقعي للإصلاحات السياسية.
يقف السودان اليوم أمام مفترق طرق تاريخي لا يحتمل المماطلة أو المناورات التكتيكية. فالقرار الأمريكي المحتمل بنزع الشرعية الدولية عن التمثيل السوداني ليس مجرد إجراء دبلوماسي عابر، بل يمثل تحولاً جوهرياً في طبيعة التعامل الدولي مع الأزمة السودانية قد يؤدي إلى عواقب لا يمكن التنبؤ بها. هذا التطور يضع النظام الحالي أمام خيارات محدودة ومحفوفة بالمخاطر، فإما القبول بالضغوط والتوجه نحو تسوية سياسية حقيقية تعيد للسودان مكانته الدولية، أو المضي قدماً في طريق المواجهة والعزلة مع ما قد يترتب على ذلك من عواقب وخيمة على مستقبل البلاد ووحدتها. في نهاية المطاف، فإن الحل الحقيقي للأزمة السودانية يكمن في الإرادة السياسية الصادقة لجميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية للوصول إلى تسوية عادلة ومستدامة تضع مصلحة الشعب السوداني فوق كل اعتبار آخر، وبدون هذه الإرادة، فإن المزيد من التصعيد والعزلة قد يقود البلاد إلى مصير لا تُحمد عقباه.



