في خضمّ وباء حمى الضنك الجاري بالسودان، انتشرت قناعة خاطئة في الأوساط الشعبية وحتى بين بعض مقدّمي الخدمة الطبية، خلاصتها أن البندول ( الباراسيتامول) الوريدي (الحقن أو المحلول) هو “الأفضل” أو “الأقوى” أو حتى “الوحيد” المسموح به لعلاج الحمى في حالات الضنك.
هذه الفكرة وإن بدت منطقية على السطح، إلا أنها لا تصمد أمام ما نعرفه اليوم من أدلة علمية رصينة. بل إن الاستمرار في الترويج لها يُلحق ضررًا مزدوجًا: إنه يُهدر الموارد الطبية، ويُقصي عن العلاج من هم في أمسّ الحاجة الحقيقة له.
هل الحقن أفضل من الحبوب؟
الجواب باختصار: لا، إلا في حالات نادرة ومحددة جدًا.
البندول الوريدي يصل فعليًا للدم أسرع، وقد يُخفّض الحرارة في وقت أقصر بنحو نصف ساعة مقارنة بالفموي. لكن هذه “السرعة” ليست ذات فائدة حقيقية في تغيير مسار المرض، خصوصًا في حمى الضنك التي تستمر لأيام وتتطلب مراقبة دقيقة لمراحلها وليس مجرّد خفض سريع للحرارة.
فبعد مرور ساعتين من إعطاء الدواء، تتساوى الفعالية بين الطريقين، ويُصبح ما تبقّى هو اختلافات في التكلفة، والسلامة، والأثر البيئي… وكلها تميل لصالح الحبوب.
متى يُستخدم الوريدي إذًا؟
فقط إذا كان المريض:
– يتقيأ باستمرار ولا يحتفظ بأي دواء عن طريق الفم.
– في حالة صدمة أو فقدان للوعي، لا يستطيع البلع.
– تحت العناية الطبية الكاملة بنظام تغذية وريدي (NPO).
عدا ذلك، فإن الطريق الفموي هو الطريق الأمثل: أكثر أمانًا، أقل تكلفة، وأسهل في المتابعة. بل إن بعض التقارير تُظهر أن تكلفة الجرعة الواحدة من البندول الوريدي تفوق نظيرتها الفموية بما يصل إلى ألفي ضعف! دون أن تُقدّم فائدة تُبرر هذا الهدر في الموارد والاموال.
ماذا عن السلامة؟ أليس البندول آمنًا دومًا؟
هذا اعتقاد قديم يحتاج لمراجعة. ففي دراسات حديثة أجريت على مرضى ضنك بالغين، لم يُظهر البندول أي فائدة واضحة في خفض الحرارة أو الألم مقارنة بالدواء الوهمي (Placebo). الأسوأ من ذلك، أن من تناولوا البندول كانوا أكثر عُرضة لارتفاع إنزيمات الكبد، ما يدل على أذية كبدية ولو عابرة، بالذات حين المبالغة في الجرعة اليومية.
وإذا علمنا أن فيروس الضنك نفسه يُجهد الكبد بطبيعته، فإن إعطاء دواء قد يُضيف “ضربة ثانية” على الكبد يجب أن يُقابل بالحذر الشديد، خصوصًا عند كبار السن، والحوامل، ومرضى سوء التغذية.
هل يمكن الاستغناء عن الأدوية تمامًا؟
في الكثير من الحالات، نعم. فارتفاع الحرارة في الضنك ليس دائمًا مؤلمًا أو خطيرًا بحد ذاته، بل هو عرض طبيعي لردة فعل الجسم المناعية. ويمكن السيطرة عليه بطرق غير دوائية، مثل شرب كميات كافية من الماء والسوائل، واستخدام الكمادات الفاترة. أما متى ما تجاوزت الحمى ٣٨.٥ درجة مع شعور بعدم الارتياح الشديد، فيمكن استخدام البندول بجرعة محسوبة لا تتجاوز ٣ غرامات في اليوم، خاصة إن وُجد ارتفاع في وظائف الكبد.
📌 تنويه للأطباء
يرجى من الزملاء الأطباء والممارسين الصحيين التنبه لما يلي:
– الباراسيتامول الفموي هو الخيار القياسي وليس بديله الأرخص.
– الباراسيتامول الوريدي يُستخدم فقط عند وجود موانع للفموي، ولا يُبرر استخدامه لمجرد “سرعة” الأثر.
– ضرورة مراقبة وظائف الكبد عند استخدام الدواء، وتقليل الجرعة اليومية القصوى إلى ٣ غرامات في حالات الخطر.
– تحويل المريض من الوريدي إلى الفموي بمجرد تحسّن الحالة، توفيرًا للموارد وتقليلًا للمخاطر.
في الختام، فإن مسؤوليتنا الطبية والاجتماعية تفرض علينا أن نحارب الشائعات، لا أن نستسلم لها. الاستخدام العشوائي للباراسيتامول الوريدي لا يعكس حرصًا على المريض، بل هدرًا للدواء، وفتحًا لأبواب السوق السوداء على حساب صحة الناس.
دعونا نُعيد الاعتبار للعلم، ولنصن المهنة من اجتهادات غير مدروسة، مهما كانت نواياها طيبة.



