كتب: معاوية أبوالريش
في قلب أفريقيا، حيث يلتقي النيل الأزرق بالنيل الأبيض، يواجه شعب السودان العظيم اليوم محنة إنسانية لا تُحتمل. إنها مأساة مركبة تجمع بين وحشية الحرب وقسوة الطبيعة، في ظل غياب كامل للضمير الوطني لدى من يفترض أنهم حماة هذا الوطن.
الموت يحاصر الخرطوم من كل الجهات: في العاصمة الخرطوم، التي كانت يوماً ما منارة للعلم والثقافة، يصارع السكان اليوم شبح الموت الذي يطاردهم في كل زاوية وحارة. الملاريا وحمى الضنك تنتشر كالنار في الهشيم، حاصدة أرواح الآلاف من الأبرياء، والأمهات يحتضن أطفالهن المحمومين وهن يبكين بلا حول ولا قوة، يشاهدن فلذات أكبادهن تذبل أمام أعينهن دون أن يجدن دواءً أو طبيباً.
المستشفيات المدمرة تقف كالأشباح المهجورة، عاجزة عن تقديم أبسط الخدمات الطبية، والمرضى ينتظرون الموت في أروقتها المظلمة. الأطباء القلائل المتبقون يعملون بأيديهم العارية، يشاهدون مرضاهم يفارقون الحياة واحداً تلو الآخر، والدموع تنهمر من عيونهم عجزاً وألماً. المياه الملوثة والصرف الصحي المنهار يوفران بيئة جهنمية لتكاثر البعوض الناقل للموت، والعائلات تشاهد أحبابها يرحلون عنهم إلى الأبد دون أن تملك لهم شيئاً سوى الدعاء والبكاء.
الأطفال الصغار يسقطون في الشوارع من شدة الحمى، وكبار السن يلفظون أنفاسهم الأخيرة في بيوتهم المتهالكة، والحوامل يلدن أطفالاً ميتين أو مشوهين بسبب هذه الأوبئة اللعينة. المدارس والجامعات تحولت إلى مراكز للموت بدلاً من العلم، والطلاب يسقطون في فصولهم الدراسية من شدة المرض.
إن هذا الوضع الصحي المأساوي والمذري يتطلب إعلان حالة الطوارئ الصحية فوراً، وإغلاق جميع المدارس والجامعات وتعليق الدراسة بها حمايةً للأرواح البريئة. أسوة بما حدث في ولاية الجزيرة المنكوبة أيضا ، كما يجب على الحكومة أن تطلب بصورة عاجلة مساعدة الدول الشقيقة والصديقة للسودان لمدها بالأدوية والمحاليل الطبية والمعدات الطبية اللازمة للقضاء على هذه الأوبئة الفتاكة. ويجب أن تُوزع هذه المساعدات الطبية مجاناً على جميع المواطنين المصابين دون تمييز أو محاباة، فالمرض لا يفرق بين غني وفقير، والموت يطرق كل الأبواب.
الفاشر تحترق تحت وقع الرصاص:
وفي الوقت الذي تواجه فيه الخرطوم وباء الموت الصامت، تعيش الفاشر في شمال دارفور كابوساً مختلفاً لكنه لا يقل وحشية. الهجمات المتكررة والعشوائية لمليشيا الجنجويد تحول الحياة اليومية إلى جحيم حقيقي، حيث يختبئ الأهالي في منازلهم المهددة، يترقبون الموت في أي لحظة. النساء والأطفال يفرون حاملين ما تيسر من متاع، تاركين وراءهم ذكريات العمر وأحلام المستقبل، بينما تتحول المدارس والمساجد والأسواق إلى أهداف عسكرية، والأمان يصبح حلماً بعيد المنال.
دماء على أيدي القيادات المجرمة:
هذا المشهد المأساوي الذي يتكرر يومياً في أنحاء السودان ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لجرائم القيادات التي باعت ضمائرها من أجل سلطة زائلة. كل قطرة دم طاهرة تسيل على أرض السودان، وكل نفس بريئة تُزهق بسبب هذه الحرب العبثية المدمرة والأوبئة الفتاكة، ستبقى شاهدة على من أشعلوا فتيل هذا الدمار.
البرهان وقيادات الجيش السوداني، الذين يفترض أن يكونوا درع الوطن وحماة الشعب، هم المسؤولون الأولون عن هذا الوضع الكارثي. لقد رفض البرهان كل نداءات السلام وكل المبادرات الرامية لحقن دماء الأبرياء من أبناء الشعب السوداني العظيم، واختار أن يتبع قيادات فلول النظام البائد الذين يرفعون شعار “بل بس” ومواصلة القتال من أجل تحقيق حلم أبيه الزائف في حكم البلاد.
لقد سنحت للبرهان العديد من الفرص الذهبية للانحياز والاصطفاف إلى جانب رغبة الشعب السوداني العظيم الذي ثار وأطاح بالبشير وجماعته المجرمة في ثورة مجيدة، إلا أنه آثر الاصطفاف إلى جانب القتلة واللصوص الذين نهبوا خيرات البلاد والعباد لعقود طويلة. إنه تورط في صراع السلطة الأعمى، متناسياً أن كل منصب في هذه الدنيا زائل، بينما يموت أبناء وطنه جوعاً ومرضاً وتحت وقع الرصاص. لقد فشل في حماية شعبه وتأمين أبسط الخدمات الأساسية، بل ساهم في تدمير البنية التحتية والنسيج الاجتماعي لهذا الوطن العظيم ، خادماً مصالح من خانوا السودان من قبل.
وجماعة الإخوان المسلمين المجرمين، الذين ادّعوا الدين زوراً وبهتاناً، استغلوا معاناة الشعب لتحقيق مآربهم السياسية الدنيئة، متاجرين بدماء الأبرياء وآلام الأمهات الثكالى والأطفال الأيتام، ومساهمين في تأجيج هذه الحرب الملعونة التي لا تخدم إلا أطماعهم في السلطة.
إن هؤلاء القيادات المجرمين – البرهان وقيادات الجيش وجماعة الإخوان – سيقفون يوماً أمام الله العلي القدير، وسيُسألون عن كل هذه الدماء الطاهرة التي أُريقت، وعن كل هذه الأنفس البريئة التي أُهلكت بسبب حربهم العبثية وتقصيرهم الإجرامي. لن تنفعهم حينها مناصبهم الزائلة، ولن تشفع لهم سلطتهم التي باعوا من أجلها أرواح شعبهم. فالله شهيد على ما فعلوا، والتاريخ لن ينساهم، والشعب السوداني سيلاحقهم بلعنته جيلاً بعد جيل.
صرخة في وجه الصمت العالمي: إن ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد أزمة محلية، بل كارثة إنسانية حقيقية تتطلب تدخلاً عاجلاً من الضمير الإنساني العالمي. الشعب السوداني العظيم ، الذي قدم للحضارة الإنسانية الكثير عبر التاريخ، يستحق أن يعيش بكرامة على أرضه، لا أن يموت بالأوبئة أو يُقتل بالرصاص وسط صمت مطبق من العالم.
التاريخ سيسجل أن هذا الشعب الأصيل صمد في وجه أقسى الظروف، وأن قادته المتواطئين خذلوه في أحلك اللحظات، لكن الأمل يبقى قائماً في قوة هذا الشعب وصبره وإيمانه بأن الفجر قادم، مهما طال الليل ومهما اشتدت الظلمة. فالدماء التي تسيل اليوم ستكون بذور النهضة القادمة، والمعاناة التي يتجرعها السودانيون اليوم ستكون وقود التغيير الحقيقي الذي سيأتي لا محالة.



