بيان المكتب السياسي يخالف إلى حد بعيد البيان الصادر عن تحالف التغيير الجذري بخصوص الرباعية الذي سبقه ويخالف كذلك كلمة صحيفة الميدان والتي وجهت نقداً لاذعاً لبيان الرباعية والمجتمع الدولي والقوى السياسية على حد سواء
الحزب الشيوعي يفصل فصلاً حاداً بين مواقف وتحركات المجتمع الدولي ومصالحه ومصالح الشعب السوداني، ولا يرى إمكانية تنسيق هذه الجهود وفقاً لما تراه القوى السياسية المرحبة بالمواقف الدولية وخاصة موقف دول الرباعية
مبادرة الرباعية سانحة لاستنهاض العمل الجماهيري، لأن العمل الخارجي ليس بديلاً عن العمل الداخلي، وأن الحلول يجب أن لا تعيد تجارب الماضي المتعلقة بالشراكة مع العسكر أو الإفلات من العقاب
“نعلن ترحيبنا بأي جهد يبذل في سبيل الوصول إلى وقف هذه الحرب اللعينة التي دمرت بلادنا وشردت أبناء وبنات شعبنا”. الجهد الذي ورد في العبارة المجتزأة من بيان الحزب الشيوعي “الثاني” الصادر عن مكتبه السياسي، يشير إلى الجهد الذي تبذله دول الرباعية (أمريكا – السعودية – الإمارات – مصر)، والعبارة نفسها وجدت احتفاءً في الأوساط السياسية، لجهة أن البعض قرأها على أنها تحول في مواقف الحزب الشيوعي الرافض للتنسيق مع الجهود الدولية لإيقاف الحرب، إلى جانب رفضه التنسيق مع القوى السياسية الرافضة للحرب. ولكن بيان المكتب السياسي يخالف إلى حد بعيد البيان الصادر عن تحالف التغيير الجذري، والحزب الشيوعي أحد أضلاعه الرئيسية، بخصوص الرباعية الذي سبق بيان الحزب، ويخالف كذلك كلمة صحيفة (الميدان)، الناطقة باسم الحزب الشيوعي، والتي وجهت نقداً لاذعاً لبيان الرباعية والمجتمع الدولي والقوى السياسية على حد سواء.
الشيوعي وإيران
بعد الترحيب بالمبادرة، تضمنت فقرات بيان الحزب الشيوعي نقداً للقوى الإقليمية والدولية التي تقف وراء البيان، وانقسم النقد بين دول مشاركة في دعم الحرب، في إشارة إلى دولتي الإمارات ومصر، ولم يقتصر اتهام الحزب على دعم الحرب، وانتقل إلى أن هذه الدول كان يمكن أن توقف الحرب.
ثم استطرد البيان في نقد حلول المجتمع الدولي، وحصر المبادرة في أنها مصالح تخص الدول الأربعة أكثر من كونها معنية بتوفير حلول تفضي إلى إيقاف الحرب. ومصالح المجتمع الدولي لدى الشيوعي حُصرت في نهب الموارد مستفيدين من فوضى الحرب، أو سعياً لوقفها خوفاً من تمدد الإرهاب المرتبط بالإسلام السياسي، بعد التطورات الأخيرة في المنطقة بالحرب الإيرانية الإسرائيلية، والحرب في غزة، ودعم إيران للإسلاميين في حربهم مع قوات الدعم السريع. وجاء في البيان “الآن وبعد أن رأت هذه القوى اتساع نفوذ الإسلاميين وتسيدهم كامل المشهد في حكومة الأمر الواقع.. وفتح ابواب البلاد لدخول المتطرفين من الدواعش والجهاديين وغيرهم، إضافة إلى الخطر الذي يمثله التواجد الإيراني والحوثي على الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر، الأمر الذي يهدد مصالح هذه القوى بشكل جدي في السودان والمنطقة عموماً.. وهو ما دفع قوى الرباعية لإصدار بيانها هذا، حرصاً ودفاعاً عن مصالحها.”
وبهذا وضع الشيوعي “الرباعية” في خانة المصالح الذاتية، لا مصالح السودانيين. وهذا الموقف يفهم منه مباشرة أن الحزب يفصل فصلاً حاداً بين مواقف وتحركات المجتمع الدولي ومصالحه ومصالح الشعب السوداني، ولا يرى إمكانية تنسيق هذه الجهود وفقاً لما تراه القوى السياسية المرحِّبة بالمواقف الدولية، وخاصة موقف دول الرباعية.
العودة للوثيقة الدستورية
المفارقة في بيان الحزب الشيوعي التي تستدعي التعليق، اتهامهم لدول المبادرة على أنها هي ذات الدول التي كانت خلف توقيع الوثيقة الدستورية، التي أقرت الشراكة بين العسكريين والمدنيين، وتأسست عليها حكومة الفترة الانتقالية. وبحسب الشيوعي لم يكن ذلك سوى مؤامرة على الثورة بنية إجهاضها، وقال في البيان “إن الدوائر الخارجية التي شاركت في إشعال هذه الحرب وفي ما سبقها من مؤامرات بدءاً من التوقيع على الوثيقة الدستورية المعيبة وإشراك العسكر في مفاصل السلطة وفض الاعتصام وقمع الثوار وقتلهم والتنكيل بهم، كانت تهدف وما تزال إلى تصفية ثورة ديسمبر المجيدة وأهدافها، وقتل أحلام شعبنا في الحرية والسلام والعدالة ليظل السودان تحت قبضتهم وسيطرتهم”. على الرغم من أن خصوم الشيوعي، أو على الأقل مخالفيه الرأي، كثيراً ما يحاجّونه في أن له دوراً رئيسياً عبر المشاركة في المفاوضات التي خرجت عنها الوثيقة، وعلى حد منطق البعض فإن “المفاوضات مع العسكريين كانت لإقرار بأن لهم حقاً في الفترة الانتقالية، وماذا كان ينتظر الحزب الشيوعي من المفاوضات غير مشاركة مَن تفاوضه في المخرجات النهائية لهذه المفاوضات”.
ما أراد أن يشير إليه خصوم الحزب السياسيون، أن موقف الحزب تبدل من مشاركة العسكر، بعد مخرجات التفاوض، على الرغم من أن الحزب الشيوعي يؤكد في كثير من المناسبات أنه “قدم نقداً للمشاركة في التفاوض الذي أدى للوثيقة الدستورية، وأنه صحح خطأه بعدم المشاركة في التوقيع عليها أو المشاركة في الحكومة التي تشكلت بموجبها”.
الشيوعي بين بيانين
ما جاء في بيان الشيوعي وعده المراقبون تحولاً في موقفه الرافض للرباعية، استند في المقام الأول على بيان “كتلة التغيير الجذري”، والتي تأسست في مقابل تحالف قوى الحرية والتغيير الذي غادره الشيوعي عقب توقيع الوثيقة الدستورية، وينظر الكثيرون إلى “التحالف الجذري” على أنه تحالف الحزب الشيوعي مع واجهاته، في المجتمع المدني والحركات النسائية. وبيان التحالف الجذري بشأن بيان الرباعية تضمن ذات أفكار بيان الحزب الشيوعي ولكن بلغة “خشنة” خالية من الترحيب أو القبول ببعض البنود على الأقل في مقدمة البيان، كما ورد في بيان الحزب الشيوعي. ونجد الرفض المغلظ في افتتاحية البيان والذي جاء فيه “أتى بيان ”الرباعية الدولية” بشأن السودان وهو يَحمِلُ تَدخُّلاً واضحاً غير مستحق وتعدياً على سيادة السودان واستقلالية قراره الوطني، ومُعرِباً عن محاولةٍ مكشوفة لفرض وصايةٍ كاملة على شعبنا وعلى ثورته الخالدة وعلى سيادةِ بلادنا واستمراراً لمحاولةٍ لتوجيه قرارنا الوطني ورهنه لِصالِح دول الرباعية وتطلعاتها”.
ربما ما جاء في الفقرات اللاحقة من بيان الجذريين، لا تختلف كثيراً عن ما جاء في بيان الشيوعي من أفكار وتحليل يفضي إلى رفض المبادرة. وتتمحور الأفكار حول سعي دول الرباعية إلى تحقيق مصالحها “الاقتصادية والجيوسياسية والعسكرية”، وتسعى كذلك لإعادة تشكيل المشهد السوداني بما يضمن استمرار نهب الموارد الوطنية وإبقاء السودان تابعاً سياسياً واقتصادياً مفتوحاً أمام نفوذهم ونفوذ القوى الخارجية والداخلية الحليفةِ لهم. وقال البيان الجذري صراحة إن المبادرة كانت “مَسْخَاً مُسَخّراً لخدمةِ المشروع الأمريكي الإسرائيلي”. بينما جاءت في بيان الشيوعي ذات الفكرة المرتبطة بإضعاف الداخل لصالح المصالح الدولية، وقال “على الرغم من أنها كانت تستطيع وقفها منذ بداياتها إلا أنها لم تفعل حماية لمصالحها التي يحققها استمرار الحرب، حرصاً على استمرار السودان مصدراً للمواد الخام وسوقاً لمنتجاتها، عِوَضاً عن أن استمرار الحرب ينهك الشعب السوداني لا يقبل بأي تسوية ويمكّن هذه القوى من فرض شروطها والحصول على أكبر قدر من المكاسب الاقتصادية والسياسية”.
رفض البيان الأول
لا خلاف على أن البيان الذي صدر عن تحالف التغيير الجذري، يعبِّر بقدر كبير عن موقف الحزب الشيوعي، لذلك عبر عدد من قيادات الحزب وأعضاء لجنته المركزية عن رأيهم المخالف للبيان الأول. أبرز من فعل ذلك
القيادي وعضو اللجنة المركزية تاج السر عثمان بابو الذي عرف بتشدده في ما يتعلق بالحلول الخارجية أو العمل الجبهوي مع القوى السياسية الأخرى. وقال تاج السر في منشور على صفحته الشخصية على منصة فيسبوك يوم 16 سبتمبر 2025 “مع الترحيب ببيان الرباعية للهدنة ووقف الحرب وتوصيل المساعدات الإنسانية ووقف تسليح طرفي الحرب من المحاور الإقليمية والدولية، مهم الاستفادة من التجارب السابقة بترسيخ الحكم المدني الديمقراطي، وعدم تكرار التسوية والشراكة مع العسكر والدعم السريع والمليشيات التي تعيد إنتاج الأزمة والحرب مرة أخرى، كما حدث في تجربة الوثيقة الدستورية المعيبة التي كرّست الشراكة مع العسكر والدعم السريع وقنَّنت الدعم السريع دستورياً”. وربما هو الترحيب الأول من قيادي في الحزب بالبيان. وأوضح بابو خلال المنشور ومنشورات لاحقة أن مبادرة الرباعية سانحة لاستنهاض العمل الجماهيري، مؤكداً أن العمل الخارجي ليس بديلاً عن العمل الداخلي، وأن الحلول يجب أن لا تعيد تجارب الماضي المتعلقة بالشراكة مع العسكر أو الإفلات من العقاب.
وليس بابو وحده من كان له رأي لا يتطابق مع رأي التحالف الجذري، الذي يقوده الحزب الشيوعي، بل كثير من أعضاء الحزب المعروفين أبدوا تحفظهم على ما جاء في البيان، وعبر بعضهم عن استيائه من موقف التحالف الجذري في مواقع التواصل الاجتماعي.
وصفة ناقصة
تطابق بيان الحزب الشيوعي وبيان التحالف الجذري، تعليقاً على بيان مبادرة الرباعية، في أن الحل يكمن في العمل الجماهيري وعودة مسار ثورة ديسمبر المجيدة، مع اختلاف محدود في النظر إلى دور “الرباعية” التي يرى الحزب في أنها مكان ترحيب وربما تساهم في استنهاض الجماهير ومحاصرة الإسلاميين، مع الإبقاء على أن دوافع دول الرباعية خدمة مصالحها ليس إلا، بينما رفض بيان الحزب المبادرة من مستهله، غير أن كليهما في ما تطابقا فيه؛ أي الحل الجماهيري وعودة الثورة واصطفاف الجماهير في الشارع، لم يقدما خطة عملية، أو حتى رؤية في تحقيق ذلك.
يتفق الجميع على أن ثورة ديسمبر وجماهيرها لم تكن تتبع لحزب واحد حتى الحزب الشيوعي، ولا تنطلق من دعوة جهة بعينها، وإنما هي تحالف جماهيري عريض من قوى سياسية وتجمعات مهنية، ومنظمات مجتمع مدني، وهذا يعني أن عودة مسار الثورة وجماهيرها في الشارع، يتطلب عودة ذات التحالف العريض إن لم يكن أعرض، وهذا ما يرفضه الحزب الشيوعي بعد خروجه من تحالف الحرية والتغيير، الذي طالب أعضاءه صراحة بالتفكك ثم الرجوع إليه فرادى. واستمر هذا الموقف مع تحالف “تقدم” و” صمود” لاحقا، ولم يفلح الحزب الشيوعي ولا تحالف التغيير الجذري في قيادة حراك جماهيري مؤثر شبيه بما حدث خلال الثورة.
وينظر كثيرون إلى اتصال الحزب في مدينة عطبرة بالسلطات من أجل تشييد محطة طاقة شمسية تراجعاً عن الفعل الجماهيري، وكذلك مخاطبة السلطات للعودة إلى داره في مدينة أم درمان. ورغم اتفاق الجميع على أن الفعل الخارجي ليس بديلاً للفعل الجماهيري وضرورة الحلول الداخلية، إلا أن وصفة الحزب الشيوعي والتحالف الجذري تظل وصفة ناقصة تحتاج إلى تفسيرات وشروح وآليات وخطة.



