كتب: معاوية أبوالريش
شهد ملعب واندا ميتروبوليتانو مساء اليوم السبت 27 سبتمبر 2025 أحد أعظم الانتصارات في تاريخ ديربي مدريد، حين نجح أتلتيكو مدريد في سحق غريمه التقليدي ريال مدريد بخماسية مقابل هدفين، ليضع حداً مدوياً للبداية المثالية لفريق تشافي ألونسو هذا الموسم في ليلة لن تُمحى من ذاكرة كرة القدم الإسبانية.
بدأت المباراة بوتيرة عالية تليق بعظمة الديربي، حيث افتتح أتلتيكو مدريد التسجيل مبكراً عن طريق المدافع روبن لو نورماند بضربة رأسية محكمة كشفت منذ الدقائق الأولى عن نقطة ضعف واضحة في دفاع الريال عند التعامل مع الكرات الهوائية. لم يطل انتظار النادي الملكي للرد، إذ عادل كيليان مبابي النتيجة بتسديدة قوية أظهرت خطورته التهديفية المعتادة، قبل أن يضيف التركي أردا غولر الهدف الثاني للريال بعد تمريرة ذهبية من البرازيلي فينيسيوس جونيور. لكن النرويجي ألكسندر سورلوث لم يترك أصحاب الأرض في موقف صعب، وأدرك التعادل بضربة رأسية رائعة أكدت تفوق أتلتيكو في الكرات الهوائية، وكان هذا الهدف نقطة تحول حاسمة في مجريات المباراة، وانتهى الشوط الأول بالتعادل الإيجابي 2-2 وسط أجواء مشتعلة في المدرجات.
شهد الشوط الثاني تغييراً جذرياً في مجريات اللقاء، حيث نجح دييغو سيموني في قراءة المباراة بذكاء تكتيكي فائق، وتفوق على نظيره تشافي ألونسو في معركة الأدمغة التدريبية من خلال تطبيق ضغط عالي على حاملي الكرة من ريال مدريد أربك بناء اللعب من الخلف، بينما ركز على استغلال الأطراف للاستفادة من قوة لاعبيه في الكرات الهوائية مع المرونة في التبديل بين تشكيلتي 4-4-2 و 5-3-2 حسب مراحل المباراة. في المقابل، أخطأ ألونسو تكتيكياً بقرار إشراك جود بيلينغهام من البداية رغم عدم جاهزيته البدنية الكافية لشدة هذه المباراة، مما أدى لاختلال توازن الوسط وفشل في تقديم الدعم المطلوب للدفاع، وكذلك الاعتماد على خط دفاع عالي دون غطاء كافي من الوسط، كما تأخر في إجراء التغييرات المناسبة عندما بدأ فريقه بفقدان السيطرة.
الأرجنتيني خوليان ألفاريز كان نجم الشوط الثاني بلا منازع، حيث سجل هدفين رائعين بدءاً بضربة جزاء نفذها بنجاح بعد خطأ فادح من أردا غولر، ثم عاد ليحرز هدفه الشخصي الثاني والرابع لفريقه من ضربة ثابتة نفذها بإتقان تام ولجت شباك الحارس البلجيكي تيبو كورتوا. وفي خضم هذا الأداء المتألق، لعب كابتن أتلتيكو مدريد كوكي دوراً محورياً في انتصار فريقه، حيث سيطر على منطقة الوسط بخبرته الواسعة وذكائه التكتيكي، ونجح في قطع خطوط إمداد ريال مدريد وإبطال مفعول الثنائي فالفيردي وتشواميني، كما وزع الكرات بدقة عالية لزملائه في الهجوم، مستفيداً من موقعه العميق بجانب ثلاثة مدافعين طبيعيين هم دافيد هانكو وكليمان لانغليت وروبن لو نورماند.
أظهر لاعبو أتلتيكو مدريد روحاً قتالية استثنائية طوال المباراة كانت العامل الحاسم في تحقيق هذا الانتصار التاريخي، حيث ربحوا معظم الثنائيات الفردية وسيطروا على الكرات الهوائية بشكل لافت مع التزام تام بالخطة التكتيكية. اللاعبون مثل بابلو باريوس وجوليانو سيموني أظهروا مستوى رائعاً في الضغط والاستخلاص، بينما نجح المدافعون في تحييد تهديد مبابي وفينيسيوس في الشوط الثاني، في مقابل كشف واضح لنقاط ضعف في الدفاع الملكي خاصة في التعامل مع الكرات الهوائية والمعكوسة، وهذا ما جعل هدف سورلوث يصبح ثامن هدف من آخر عشرة أهداف سجلها أتلتيكو ضد ريال مدريد بالرأس.
غياب أنطونيو روديغر المصاب ترك فراغاً كبيراً في قلب دفاع ريال مدريد، بينما فشل الثنائي إيدير مليتاو ودين هويسن في التفاهم المطلوب وعانيا من أسوأ مبارياتهما هذا الموسم، كما أن الظهيران دانيال كارفاخال وألفارو كاريراس لم يقدما الدعم الدفاعي المطلوب مما ترك مساحات واسعة استغلها أتلتيكو بذكاء، خاصة أن سورلوث تمكن من التسلل بين هويسن وكاريراس في هدف التعادل الذي كان بمثابة نقطة التحول في المباراة. وفي الوقت الإضافي، أطلق الفرنسي أنطوان جريزمان رصاصة الرحمة على آمال النادي الأبيض في العودة، محرزاً الهدف الخامس التاريخي لأتلتيكو في انتصار لن ينساه جماهير الفريق.
كانت هذه أول هزيمة لتشافي ألونسو في الليغا كمدرب لريال مدريد، وأول مرة منذ عام 1950 يستقبل فيها ريال مدريد خمسة أهداف ضد أتلتيكو مدريد في مباراة رسمية، كما أنها المرة الأولى منذ 2015 أن يخسر الريال بهذا الفارق الكبير ضد أتلتيكو في 90 دقيقة. قبل المباراة، كان سيموني قد صرح بثقة: “أعيش في الحاضر، ريال مدريد تحسن في اللعب الجماعي والمدرب يعمل بجد للضغط عالياً في الملعب، وهذا سبب فوزهم بكل المباريات”، وقد نجح في ترجمة هذا التحليل لخطة تكتيكية محكمة حققت له النصر.
بهذا السقوط المدوي للنادي الملكي، اشتعلت المنافسة في الليغا الإسبانية من جديد، حيث ارتقى أتلتيكو مدريد للمركز الرابع برصيد 12 نقطة، وأصبح الفارق مع ريال مدريد 6 نقاط فقط، كما أن هذه النتيجة تفتح الباب أمام برشلونة الغريم التقليدي لريال مدريد للاقتراب أكثر من الصدارة في حال فوزه في مبارياته القادمة. ديربي مدريد اليوم لن يُنسى بسهولة، ليس فقط للنتيجة الكاسحة، ولكن للطريقة التي تفوق بها سيموني تكتيكياً على ألونسو، وللروح القتالية التي أظهرها لاعبو أتلتيكو، في انتصار يعيد الحياة لموسم أتلتيكو ويشعل جذوة المنافسة في الليغا الإسبانية، بينما يطرح علامات استفهام كبيرة حول قدرة ريال مدريد على الحفاظ على مستواه تحت قيادة تشافي ألونسو الجديدة.



