كتب: الدكتور كمال محمد الأمين
تعليق على محاكمة المحامي أبوبكر منصور
لقد قيل قديمًا إن العدالة هي أساس الملك، وإن القضاء هو حصن الأمة الأخير حين تعصف بها رياح الفتن والأهواء. فإذا سقط هذا الحصن، أو تداعى، أو استحال إلى أداة في يد الطغيان، فقد سقطت الأمة كلها، ولو بقيت لها من مظاهر الدولة ما بقي.
وإني لأقف اليوم أمام هذا البيان الذي صدر عن محامي الطوارئ، فأجد نفسي أمام مأساة لا تقل فظاعة عن تلك المآسي التي عرفتها الأمم حين تنكّرت للعدل وجعلت من القانون سيفًا مسلطًا على رقاب الأبرياء، لا درعًا يحمي المظلومين.
أولاً: في المحاكمة التي لم تكن محاكمة
ما هذا الذي نقرأ؟ محامٍ يُحكم عليه بالإعدام شنقًا حتى الموت، دون أن تُستكمل إجراءات المحاكمة التي أمرت بها محكمة الاستئناف نفسها! دون أن يُخطَر فريق دفاعه بموعد النطق بالحكم! بل دون أن يُسمح لأحد أعضاء هيئة الدفاع بالحضور، لأنه اعتُقل قبل الجلسة بخمسة أيام!
أفهذه محاكمة أم مسرحية هزلية أُريد لها أن تُلبس ثوب الجد والوقار؟ أهذا قضاء أم انتقام مبيّت يتستر بعباءة القانون؟
إن المحاكمة التي لا يحضرها المتهم أو وكيله، والتي لا تُسمع فيها البينات المطلوبة، والتي تصدر فيها الأحكام خلسة كأنها جريمة تُرتكب في الظلام – هذه ليست محاكمة بالمعنى الذي عرفته الإنسانية منذ فجر الحضارة. إنها إهانة للعقل قبل أن تكون إهانة للقانون.
ثانيًا: في القاضي الذي انتُدب للظلم
ويطالعنا البيان بأن قاضيًا قد انتُدب خصيصًا للنظر في القضايا ذات الطابع السياسي. فيا للعجب! أفللسياسة قضاة وللعدل قضاة؟ أم أن القضاء كله واحد لا يفرّق بين قوي وضعيف، بين موالٍ ومعارض، بين من ترضى عنه السلطة ومن تسخط عليه؟
إن القاضي الذي يُنتدب لغرض سياسي لم يعد قاضيًا، بل صار موظفًا أمنيًا يرتدي رداء القضاء. وإن المحكمة التي تُسيَّس لم تعد صرحا للعدالة، بل صارت مسرحًا للتصفيات.
وأي قاض هذا الذي يخالف قرار محكمة الاستئناف ويصدر حكمًا بالإعدام دون استيفاء الإجراءات؟ أهو فوق القانون؟ أم أن القانون نفسه قد صار في السودان اليوم مجرد كلمات جوفاء تُقال ولا تُطبَّق؟
وليتذكر هذا القاضي، وليتذكر كل من ركن إلى الظلم أو سانده أو سكت عنه، قول الله تعالى: “وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ”. فإن الركون إلى الظالمين ومؤازرتهم جريمة لا تغتفر، وإن العقاب الإلهي أشد وأبقى من كل سلطان زائل.
ثالثًا: في اعتقال المحامي واغتيال حق الدفاع
ولعل أشد ما في هذه القضية إيلامًا هو اعتقال المحامي أبوبكر الماحي، عضو هيئة الدفاع، قبل الجلسة بخمسة أيام. فهذا ليس مجرد انتهاك لحق الدفاع، بل هو اغتيال متعمد لهذا الحق.
إن حق الدفاع ليس منّة من السلطة ولا هبة من القاضي، بل هو حق أصيل من حقوق الإنسان، لا تقوم محاكمة عادلة بدونه. وحين تعتقل السلطة محامي المتهم لتحرمه من الدفاع عن نفسه، فإنها بذلك تعلن صراحة أن الحكم قد صدر سلفًا، وأن المحاكمة ما هي إلا صورة شكلية لا قيمة لها.
وأي مهنة هي المحاماة إذا كان المحامي يُعتقل لأنه يؤدي واجبه؟ وأي رسالة تُرسل إلى المحامين الآخرين إلا أن يصمتوا ويستسلموا وإلا كان مصيرهم الاعتقال والتعذيب؟
رابعًا: في انهيار معبد العدالة
إن ما يجري في السودان اليوم ليس مجرد انتهاكات فردية أو أخطاء قضائية يمكن تداركها، بل هو انهيار كامل لمنظومة العدالة. إنه تحول القضاء من سلطة مستقلة تحمي الحقوق إلى أداة قمعية في يد السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية.
وحين ينهار القضاء، تنهار الدولة كلها، لأن العدل هو الأساس الذي تقوم عليه الثقة بين الحاكم والمحكوم، بين المواطن والدولة. وحين يفقد الناس ثقتهم في القضاء، فإنهم يفقدون ثقتهم في الدولة ذاتها.
وإني لأرى في هذه الحرب التي تعصف بالسودان اليوم ليست حربًا عسكرية فحسب، بل حربًا على كل ما يمثل الدولة الحديثة: على القانون، على القضاء، على حقوق الإنسان، على الحرية والكرامة. وإن انتصر في هذه الحرب من انتصر، فلن يجد أمامه إلا خرائب، لأن الدولة لا تُبنى على الدمار، بل تُبنى على العدل والقانون.
خامسًا: في المسؤولية والمستقبل
إن المسؤولية عما يجري لا تقع على القاضي المنتدب وحده، ولا على الأجهزة الأمنية وحدها، بل تقع على كل من يصمت عن هذا الظلم، على كل من يتواطأ مع هذا الاعتداء على العدالة، على كل من يعتقد أن صمته سينجيه.
وليعلم كل راكن إلى الظلم، كل ساكت عنه، كل متواطئ معه، أن الله سبحانه وتعالى قد حذرنا في محكم كتابه من عاقبة الركون إلى الظالمين. فالآية الكريمة لم تحذر الظالمين وحدهم، بل حذرت كل من يركن إليهم، كل من يسندهم، كل من يصمت عن ظلمهم. إن النار التي توعد الله بها لا تفرق بين الظالم ومن ركن إليه.
إن التاريخ لن يرحم الصامتين، كما لن يرحم الظالمين. والأمم لا تُبنى بالصمت عن الظلم، بل تُبنى بمقاومته والوقوف في وجهه مهما كان الثمن.
وإني لأدعو كل من له ضمير حي في السودان، من قضاة ومحامين ومثقفين وإعلاميين، أن يقف وقفة رجل واحد في وجه هذا الانهيار، وأن يرفع صوته عاليًا ضد هذا الظلم. فإن لم نفعل، فسنكون جميعًا شركاء في الجريمة، وسيحاسبنا التاريخ حسابًا عسيرًا، قبل أن يحاسبنا الله يوم لا ينفع مال ولا بنون.
إن حكم الإعدام الصادر بحق المحامي أبوبكر منصور يجب أن يُلغى فورًا، وأن يُفرج عن المحامي أبوبكر الماحي دون قيد أو شرط، وأن تُعاد المحاكمة وفق أصول العدالة والقانون. وإن لم يحدث ذلك، فإن السودان لن يكون دولة قانون، بل سيكون غابة يأكل القوي فيها الضعيف.
والله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
“إن الظلم إذا استشرى في أمة، فقد حان أجلها، ولو ملكت الدنيا كلها. والركون إلى الظالمين شراكة في الإثم، وعاقبتها النار وبئس المصير”



