الأعمدة

القضاء السوداني: بين “تمكين” الماضي وعبء “الإرهاب القضائي” يقوم بإرساء سابقة قضائية صادمة حول العلم القضائي بخصوص تعريف من هو المواطن الصالح !!!

محمدالفاتح حضرة

#image_title

#image_title
إن ما آلت إليه مؤسسة العدالة في السودان ليس مجرد انحراف قانوني، بل هو تفكيك منهجي لمبدأ الحياد، يحول القضاء من حصن للشرعية إلى أداة تشرعن العنف والانتقام في خضم الحرب. فاليوم، يرتكب القضاء السوداني خطيئة دستورية كبرى بإصراره على منح الجيش (القوات المسلحة) صفة التمثيل الشرعي والقانوني للنظام الدستوري في السودان ، متجاهلاً حقيقة أنه شريك أصيل في جريمة تقويض النظام الدستوري التي ارتكبها بمشاركة قوات الدعم السريع.
🛑🕸️🩼مالذي فعلته المحاكم السودانية 🤔
1. الإسقاط السافر للشرعية: جريمة مشتركة.
كانت الوثيقة الدستورية لعام 2019 هي الإطار القانوني الوحيد للشرعية الانتقالية.
عندما نفذت قيادتا الجيش والدعم السريع معاً انقلاب 25 أكتوبر 2021، كانتا ترتكبان معاً الجريمة الدستورية الأصل المتمثلة في تقويض النظام (وفق المادة 50 من القانون الجنائي).
🧐توضيح للمواطن البسيط: اللصان والبنك المسروق
لنتخيل أن شخصين (اللص أ واللص ب) قد اشتركا في التخطيط والتنفيذ لسرقة بنك (مثل سرقة الشرعية الدستورية). بعد السرقة، اختلف هذان اللصان وبدأ بينهما قتال عنيف على اقتسام المال المسروق.
🤔 هل يمكن أن يذهب أحدهما إلى المحكمة ليطلب منها أن تحكم له بنصيبه من المال المسروق؟
بالتأكيد لا.
* الواجب الوحيد للمحكمة النزيهة هنا هو: القبض على اللصين معاً، والحجز على المال المسروق، وإعادته إلى البنك.
إن الجيش والدعم السريع هما شريكان في جريمة تقويض الشرعية الدستورية.
كان الواجب على القضاء السوداني أن يعاملهما كطرفي جريمة مشتركة، وأن يعلن عدم شرعية أي منهما. ولكن القضاء السوداني اختار أن ينحاز الي الجيش ، متجاهلاً هذه الحقيقة الدستورية.
2. إرساء القضاء مبدأ “الجريمة المطلقة”: تصفية قضائية للمدنيين المتواجدين في مناطق سيطرة الدعم السريع.
إن إرساء هذا الانحياز قد صار واضحاً في أحكام المحاكم الأخيرة، ومن أبرزها حكم محكمة استئناف سنار (بشأن محاكمة المتهم أبوبكر منصور).
لقد مضت محكمة الاستئناف سنار بعيداً جداً لترسي مبدأً قضائياً كارثياً، ينص عملياً على ما يلي:
🧐مجرد بقاء المواطن المدني في منطقة سيطرت عليها قوات الدعم السريع، مهما كان العذر (كوجود كبار السن أو العجز عن النزوح)، يُعد بينة كافية لإدانته بجريمة تقويض النظام الدستوري التي عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد.
هذا المبدأ يحوّل بقاء المواطن إلى ما يمكن تسميته بـ**”الجريمة المطلقة”**
3. حصانة الولاءات: تفاضل وتصنيف العدالة.
إن أكثر ما يؤكد أن أمر العدالة في السودان قد بات يتعلق بـالولاء الأيديولوجي وليس بتطبيق القانون، هو الانتقائية الصارخة في الملاحقات القضائية. فالقاعدة القانونية لا تطبق إلا على من هم خارج دائرة المؤتمر الوطني/الحركة الإسلامية:
* حصانة الولاء: نجد أن النيابة العامة والمحاكم لم تتعرض أو تحاكم شخصيات عامة أو رموزاً معروفين بارتباطهم بالنظام القديم (كالشيخ الأمين عمر الأمين)، بالرغم من تواجدهم في قلب مناطق النزاع. هذه الحصانة غير المعلنة تُمنح للموالين.
* الحصانة الشعبية الجماهيرية: وبالمثل، لم تجرؤ النيابة على التعرض لفنانين مثل أبو عركي البخيت رغم بقائه في الخرطوم،وذلك طبعا خوفاً من ردو فعل الشعب وجماهير هذا الفنان الذي يعتبر احد ايقونات الوطنية في السودان.
في المقابل، يُلاحق المدنيون الأبرياء المحسوبين علي ثورة ديسمبر المجيدة وقوي الحرية والتغيير حتي وإن هم غادروا مناطق سيطرة الدعم السريع مثل ما فعل والي وسلطات ولاية نهر النيل مثلا في بداية الحرب .
هذه الانتقائية العدلية، التي تفاضل بين المواطنين على أساس الولاء الأيديولوجي في تطبيق مفهوم “الجريمة المطلقة”، تثبت أن القضاء قد فقد استقلاليته تماماً. وبات يخدم الموقف السياسي لجماعة “التمكين داخل مؤسسات العدالة” و التي تقف بوضوح سافر إلى جانب الجيش في هذه الحرب، ضاربةً عرض الحائط بقدسية الشرعية التي أقسم على حمايتها.
🩼🕸️لقد وصل القضاء السوداني إلى مفترق طرق مؤلم، حيث أدى انحيازه إلى نسف ثقة الشعب به. وبذلك، يؤكد القضاء بنفسه أن الأمل في العدالة يجب ان لا يكون معقوداً عليه، بل يجب ان يكون معقوداً على آليات المساءلة الدولية لإنقاذ ما تبقى من كرامة المرفق العدلي.

زر الذهاب إلى الأعلى