

كتب: معاوية أبوالريش
في تصريحات صريحة ومؤلمة أدلى بها مؤخراً للإعلام، كشف المدير الفني للمنتخب السوداني، كواسي أبياه، عن حجم المعاناة والتحديات التي يواجهها في قيادة صقور الجديان، معبراً عن أسفه العميق لغياب التقدير لما وصفه بالتضحيات الكبيرة التي يقدمها منذ توليه مسؤولية قيادة المنتخب الوطني السوداني.
وقال أبياه في تصريحات لافتة: “غالبية اللاعبين الذين بدأت معهم العام الماضي مصابون حالياً، من بينهم الحارس محمد المصطفى، ومصطفى كرشوم، ورمضان عجب، وعبدالرحمن كوكو، والتش، وأبوعاقلة عبدالله، ويصعب تعويض هذه الغيابات في ظل توقف المنافسات المحلية”، مشيراً إلى أن المنتخب أقام معسكراً إعدادياً في مدينة الطائف بالسعودية، لكن التجمع اكتمل قبل ثلاثة أيام فقط من مباريات السنغال وتوغو وموريتانيا وبطولة الشان.
وأضاف المدرب الغاني بلهجة يشوبها الحزن والإحباط: “هناك الكثير من المشكلات المالية منذ قرابة عام، ولا أريد الخوض في تفاصيلها حالياً، لكن الجهاز الفني واللاعبين يقدمون تضحيات عظيمة”، معبّراً عن مرارته بقوله: “من المؤسف حقاً ويفطر قلبي أن لا أجد تقديراً لكل التضحيات التي قدمتها خلال الفترة الماضية”
واختتم أبياه تصريحاته بالتأكيد على أنه فعل ما بوسعه في ظل هذه الظروف المعقدة والصعبة لجعل السودان ثالثاً في مجموعته في تصفيات المونديال، مذكّراً بأن المنتخب بلغ نهائيات بطولة الشان ونهائيات الكان خلال عامين فقط، رغم افتقاره للمحترفين مقارنة بالمنتخبات المنافسة.
كلمات تحمل ألف معنى
تحمل هذه التصريحات في طياتها صرخة مدوية لا يمكن تجاهلها، صرخة مدرب استطاع أن ينحت اسمه بأحرف من ذهب في سجل الكرة السودانية، رغم أنه يعمل في ظروف تقصم الظهر وتكسر الإرادة. فالرجل الذي أعاد صقور الجديان إلى الواجهة الأفريقية وقادهم إلى نهائيات كأس الأمم الأفريقية(الكان ) وبطولة الشان، مستعيداً للمنتخب هيبته المفقودة، يجد نفسه اليوم يصارع شبح الإهمال المؤسسي والتقاعس الإداري الذي بات سمة لازمة لقيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم.
إنجازات تتحدث عن نفسها
لم تكن مسيرة كواسي أبياه مع المنتخب السوداني مجرد أرقام عابرة أو مشاركات بروتوكولية، بل كانت ملحمة كروية بكل المقاييس. فالمدرب الغاني استطاع في غضون عامين فقط أن يصنع المعجزات: بلوغ نصف نهائي بطولة الشان، والوصول إلى المركز الرابع في البطولة ذاتها بعد أن كان على بُعد خطوة واحدة من المباراة النهائية لولا أخطاء حارس المرمى محمد النور أبوجا وضربات الترجيح القاسية أمام مدغشقر.
ثم جاء الإنجاز الأكبر حين أطاح بمنتخب بلاده غانا، ذلك المنتخب العملاق الذي لم يغب عن نهائيات كأس الأمم الأفريقية منذ أكثر من عقدين، ليقود السودان إلى كأس الأمم بالمغرب في إنجاز تاريخي يُحسب له بأحرف من نور.
وفي التصفيات الأفريقية المؤهلة لكأس العالم، تصدّر المنتخب السوداني مجموعة عملاقة ضمت أسود التيرانغا السنغالية وجمهورية الكونغو الديمقراطية وتوغو، قبل أن يتدحرج إلى المركز الثالث بفعل غياب الدعم والإعداد المستمر. فحين وُفّر للمنتخب معسكر إعدادي محكم في الطائف بالمملكة العربية السعودية، ظهر بوجه مشرق وأداء يليق بطموحات أمة، لكن ما إن توقف الاهتمام وانقطعت المباريات الإعدادية القوية، حتى تراجع الأداء وغابت النتائج الجيدة.
الاتحاد السوداني: إهمال ممنهج وغياب للرؤية
إن ما يثير الاستياء والغضب معاً هو التقاعس الفاضح من قبل قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم في توفير أبسط مقومات النجاح لهذا المنتخب. فلا معسكرات إعدادية منتظمة، ولا مباريات ودية أمام منتخبات كبيرة تصقل الخبرات وتختبر الجاهزية، ولا حتى كلمة تقدير أو تحفيز مادي ومعنوي للمدرب والجهاز الفني واللاعبين الذين يقدمون أرواحهم فداءً للوطن.
بل إن المدرب اضطر لخوض مباريات مصيرية أمام السنغال وتوغو وموريتانيا بعد تجمع اكتمل قبل ثلاثة أيام فقط من المواجهات، وبقائمة مثخنة بالإصابات والغيابات لنجوم يشكلون العمود الفقري للمنتخب. كيف يُتوقع من أي مدرب، مهما بلغت كفاءته وخبرته، أن يحقق النتائج المثالية في ظل هذه الظروف القاهرة؟
والأدهى من ذلك أن المشكلات المالية تطارد الجهاز الفني منذ قرابة العام، في صمت مريب من الاتحاد، وكأن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد. فأين ذهبت مكافأة بطولة الشان التي بلغت ستمائة ألف دولار؟ تلك المكافأة التي حصدها المدرب ولاعبيه بجهدهم بعد احتلال المركز الرابع، هل وصلت إلى مستحقيها؟ هل تم تكريم هؤلاء الأبطال الذين أدخلوا هذا المبلغ الضخم إلى خزينة الاتحاد؟ أم أن الصمت والتجاهل هما الرد الوحيد على التضحيات والإنجازات؟
مدرب صنع الفارق ولاعبون استعادوا الكرامة
لقد استطاع كواسي أبياه أن يخلق شخصية مميزة للمنتخب السوداني، وأن يترك بصمة واضحة على أسلوب اللعب، وأن يعيد الثقة إلى نفوس لاعبيه فأصبحنا نشاهدهم يقاتلون في الميدان بشراسة وكبرياء، مدفوعين بحب الوطن ورفع رايته عالياً. لقد حوّل المنتخب من فريق يبحث عن هويته إلى كيان متماسك يمتلك روحاً قتالية وإرادة لا تُقهر.
وأثبت هذا المدرب الاستثنائي أن اللاعب السوداني قادر على صناعة التاريخ الكروي وتحقيق الإنجازات العظيمة، شريطة أن يجد الاهتمام والرعاية الحقيقية، وأن تُتاح له كل مقومات النجاح من إعداد جيد ومعسكرات احترافية وتحفيز مادي ومعنوي يليق بتضحياته.
إن سوء التقدير والعرفان بما صنعه كواسي أبياه من قبل الاتحاد السوداني لكرة القدم يُعد أمراً مخجلاً بكل المقاييس، ويعكس قصوراً فادحاً في الإدارة والرؤية الاستراتيجية. فهذا المدرب المتميز نجح في كسب قلوب جميع السودانيين بما حققه، وبات يستحق أكثر من مجرد كلمات شكر عابرة، بل يستحق الدعم الكامل والتقدير اللائق بإنجازاته التي ستبقى منقوشة في ذاكرة الكرة السودانية.
استحقاقات قادمة تتطلب يقظة فورية
وإذا كان الماضي قد شهد تقصيراً فادحاً، فإن المستقبل القريب يحمل استحقاقات كبرى لا تحتمل المزيد من الإهمال. فالمنتخب السوداني على موعد مع مباراة المنتخب اللبناني في تصفيات كأس العرب، ثم كأس الأمم الأفريقية بالمغرب، وهي مواعيد مصيرية تتطلب إعداداً مبكراً ومحكماً.
لذا يتوجب على قيادات الاتحاد السوداني لكرة القدم أن تضطلع بمسؤولياتها كاملة منذ هذه اللحظة، وأن تبادر بإقامة معسكرات إعدادية طويلة الأمد، وتوفير مباريات ودية قوية أمام منتخبات ذات ثقل ومستوى عالٍ، وضمان التحفيز المادي والمعنوي للجهاز الفني واللاعبين، حتى يظهر المنتخب بالوجه اللائق في المحافل القادمة ويرفع اسم السودان عالياً.
إن كواسي أبياه وطاقمه الفني قدموا للسودان ما يستحق التقدير والاحترام، وآن الأوان لأن يجدوا الدعم الذي يليق بتضحياتهم وإنجازاتهم. فالكرة السودانية لن تنهض إلا بوجود إدارة واعية ومسؤولة، تؤمن بأن الاستثمار في المنتخب الوطني هو استثمار في كرامة الوطن وفخره، وأن إهمال من يصنع المجد جريمة لا تُغتفر في حق الأجيال القادمة.



