الأعمدة

سفاراتنا في الخارج اليوم تبدو صورة مصغّرة من وزاراتنا في الداخل

عوض غفران
تبدو سفاراتنا في الخارج اليوم صورة مصغّرة من وزاراتنا في الداخل، وكل مظان صناعة القرار في بلادنا، فكل قرار يصدر عنها لا يمت بصلة لحياة المواطن ولا لمصلحته، ولا حتى لمصلحة السودان على المديين القريب والبعيد.
والقرارات التي تُتخذ هذه الأيام أمرها عجب، مهما تنوعت شعاراتها فغايتها الأولى تحصيل المال من المواطن لا دعم الدولة ولا خدمتها، بل لملء جيوب القائمين عليها. وهذا نهج يمنحنا يقين بأن الحرب في صميمها لم تكن لها علاقة بمصالح هذه البلاد ولا شعبها.
من أبرز الأمثلة ما سُمّي بنداء العودة إلى الخرطوم، وهو نداء وُجه للمواطنين رغم المخاطر التي تهدد حياتهم. الهدف الحقيقي لم يكن إنقاذ الناس أو دعم الاستقرار، بل تحريك الاقتصاد وجمع الرسوم رغم أن الحكومة نفسها لاتزال تستوطن في أقاصي الشرق. وقد تلمس الجباية فيوالقرار والنداء في الجبايات التي فرضت على التجار بطرق متعسفة، وفي كل منحى اقتصاد تحرك وحاول النهوض من ضربة الحرب الماحقة، مما اضطر كثيرين منهم إلى إغلاق متاجرهم ومغادرة البلاد نهائيًا إلى مصر، رغم أنهم لم يغادروا السودان طوال الحرب.
أما السفارة السودانية في المملكة العربية السعودية، فقد سارعت الى تلقف قرار المملكة العربية السعودية مشكورة بإلحاق السودانيين بمدارسها، وأصدرت سفارتنا قرارًا بحصر تسجيل الطلاب في المدارس السعودية على القادمين من الخرطوم، رغم أن مطار الخرطوم متوقف منذ اللحظة الأولى للحرب، وأن غالبية السودانيين الهاربين فعلا من جحيم الحرب دخلوا المملكة عبر دول الجوار.
الهدف الأسمى من القرار كان تحصيل رسوم امتحانات الطلاب بالعملات الصعبة بعد أن وجدوا في اخر امتحانات ثلاث مراحل ما يزكم أرصدتهم، دون أن تعتمد السفارة حتى الآن مسارًا تعليميًا رسميًا لتلك المدارس. وهكذا تحوّلت بعض المدارس السودانية في المهجر إلى سوق تعليم سوداء، تستغل حاجة الأسر، بينما تجني السفارة والوزارات والوسطاء عائدات الامتحانات بلا حسيب ولا رقيب.
وفي المشهد الاقتصادي، لم يكن ما حدث في اجتماع مدير بنك السودان المقال مع تجار الذهب بعيدا عن هذا النهج؛ فبدلا من إصلاح ما دمرته الحرب، اختار القائمون على الأمر الفوضى كوسيلة لإبقاء المال العام في أيدي التجار، لتظل أموال الدولة سائبة، قابلة للنهب والفساد، تحت غطاء “تحريك السوق”.
ولم ينج القطاع التعليمي الجامعي من هذا العبث إذ دعت جامعة الجزيرة طلابها للعودة، فاستجابوا ودفعوا الرسوم، لكن الدراسة لا تزال عن بُعد (أونلاين). هؤلاء الطلاب تركوا أسرهم، وتكبدوا تكاليف السفر والإقامة والمعيشة، فقط ليكتشفوا أن عودتهم لم تكن إلا وسيلة أخرى لتحصيل المال دون خدمة حقيقية.
وفي كل قرار يتضح أنها لم تبن على رؤية وطنية، ولا إنسانية ولا دراسة ولا ضمير، بل على جباية بواح، وأن المواطن السوداني، في الداخل والخارج، يدفع الثمن مرتين، حين يُرهق بالرسوم، ومرة أخرى حين لا يجد دولة تحميه أو ترعاه.
قوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله، فأنتم لستم مشجعين لبل وفتك ومتك، فهذه حرب عبثية تهدد وجود كل شيء وتحرق الأخضر واليابس، من أجل شلة لم تشبع من سرقة حقوقكم وتختطف وطنكم فبعد أن أكلت أيام الرخاء ها هي تأكل حتى طعام الطير من قبوركم.
اللهم هل بلغت فاشهد

زر الذهاب إلى الأعلى