الأعمدة

موسم الهجرة إلى القاهرة: المزوراتي كميل .. ورحلة الضعف والوصاية على السودان

✍️ بقلم: #غزالي_آدم_موسى
لم تكن زيارة كامل إدريس إلى القاهرة مجرد نشاط دبلوماسي روتيني، بل كانت مشهدًا رمزيًا فاضحًا يكشف عن منسوب الوصاية الإقليمية المفروضة على السودان.
وقف الرجل في عاصمة القرار الإقليمي مرتبكًا، باهتًا، هشًّا، كما لو كان موظفًا مبتدئًا يسعى بكل طاقته لينال رضا رؤسائه الجدد. لم يظهر كرئيس وزراء لدولة، بل كمبعوث خاص من الخرطوم إلى القاهرة… مبعوث مهمته الأولى أن يطمئن المصريين بأن السودان سيظل تحت العباءة، وتحت السيطرة.
خطاب لا يشبه السودان
كلمة كامل إدريس لم تكن موجهة لشعبٍ ينتظر مخرجًا من جحيم الحرب، بل خُيّل إلينا أن الرجل يخاطب لجنة قبول في وزارة الخارجية المصرية.
أكثر ما في الخطاب إثارةً للقلق ليس ما قيل، بل ما لم يُقل:
لم يذكر الثورة، ولا القتلى، ولا النازحين، ولا المجاعة، ولا غياب الدولة، ولا الجنرالات، ولا الجنجويد، ولا حتى اسم السودان بصيغته السيادية.
لكنه وجد وقتًا للحديث عن دور مصر العظيم، وتجربتها الملهمة، وتحدياتها التنموية… كل ذلك في وقتٍ ينهار فيه السودانيون تحت أنقاض الحرب، ويتساءلون: من يمثلنا حقًا؟
كان يمكن للرجل أن يستثمر لحظة ظهوره ليبني ثقة، أو أن يستخدم منبره ليعلن استقلالية رمزية، ولو لفظيًا. لكنه، وبكل أسف، قدّم لنا نموذجًا كلاسيكيًا لما يمكن تسميته بـ”خطاب التبعية”:
– حديث مطوّل عن مشكلات مصر
– امتداح ساذج لدورها الإقليمي
– تملق مباشر للقيادة المصرية
– صمت شبه تام عن الثورة السودانية، وعن تطلعات الناس الذين سُحقت أحلامهم في الطريق
كل ذلك وهو يرتدي لغة جسد تخلو من السيادة، وتفيض بالتماس الرضا، وكأن الرجل لا يحدّث المصريين، بل يتوسلهم.
من جنيف إلى القاهرة: هبوط حاد
كامل إدريس دخل المشهد السياسي من بوابة تُشبه بوابات الموظفين، لا الزعماء.
لا خطاب سيادي. لا مشروع. لا إشارة للجرح السوداني المفتوح.
وأسوأ ما في الأمر، أنه بدا كمن لا يرى في القاهرة طرفًا يجب التفاوض معه، بل مركزًا يوزّع صكوك القبول.
إنه مشهد الهبوط الحاد: من قاعات الأمم المتحدة إلى مكاتب الأمن القومي المصري.
من رمزية الحياد… إلى الواقعية السياسية المشوهة.
بين التكنوقراط والمخابرات: مشهد الانكسار الناعم
ما حدث لم يكن خطأً فرديًا، بل جزءًا من مشهد أكبر:
انهيار الثورة وغياب القيادة، مقابل تمدد النفوذ الإقليمي بحثًا عن أدوات “آمنة” لتسكين الأزمة.
ولهذا، لم يكن كامل إدريس أكثر من مبعوث تكنوقراطي تحت إشراف استخباراتي، دخل المشهد من بوابة الخضوع لا من باب الشرعية الشعبية.
المفارقة المؤلمة أن الخرطوم لم تعد تنتج زعماء، بل تُرسل مبعوثين. لم تعد تصوغ قرارات، بل تنتظر التعليمات.
القاهرة بدورها لا تحتاج لاحتلال السودان، بل يكفيها أن تجد فيه مسؤولين يتحدثون باسمها أكثر مما يتحدثون باسم أهلهم.
وهنا يكمن جوهر الخطر:
إذا بدأ كامل إدريس مشواره السياسي بهذا الانحناء، فما الذي يمكن أن يفعله حين يُمسك بالسلطة فعليًا؟
خاتمة
لم يُفاجئنا كامل إدريس لأنه خذل الثورة — فهو لم يكن يومًا جزءًا منها.
لكنه أكّد بما لا يدع مجالًا للشك أن السودان ما زال يُدار بالوكالة، وأن رحلة الخلاص الوطني ستظل مستحيلة ما دام أول الطريق يبدأ من القاهرة… لا من الداخل.

زر الذهاب إلى الأعلى