الأعمدة

الرباعية، ما وراءها؟…

بقلم .. علي الكبير
كنت منكبا على كتابة مقالة بخصوص الرباعية عندما صفعتنى الوسائط بتصريحات البرهان الأخيرة. لم يخيب الكاهن ظنى فيه أبدا وكفانى مؤونة كلام كان يمكن أن يكون موغلا في السوداوية والتشاؤم. برز الكاهن في ثياب الواعظينا وألقى أحابيله فخيل للبعض بأنها تسعى. ومخطىء من ظن يوما أن للكاهن عهدا ودينا.
مقالتى هذه لا تقدم حلولا جاهزة ولكنها تحاول أن تضىء جوانبا للعتمة علها تساعد في إستبانة بعض معالم الطريق. ولعلى بهذا قصدت أن أقدم لقرائى بعض الأشياء كما هي مهما كانت حلوة أو مرة، عوض تقديم الأوهام التي قد تسرنا اليوم ولكنها لن تلبث حتى تبكينا كثيرا لا قدر الله.
ليست للبرهان شروطا جديدة،، فهو لا يزال يوهمنا بالتقدم خطوة ثم يتراجع ثلاثة. وهو يلزمه أولا أن يقنعنا بأن تلك الشروط المكرورة هي شروطه الخاصة وليست إملاءات؟. ثم ليحدثنا بعد ذلك عن السيادة والكرامة.

مفترق طرق،، في عين العاصفة،، كالأيتام في موائد اللئام.. كلها أمثال تجسد حالنا الراهن إلى أبعد حد وهناك الكثير الكثير غير ذلك.
سال حبر كثير هذه الأيام في خصوص الرباعية وقد لاحظنا تباينا كبيرا لدى جمهورنا في الموقف منها.
البعض رفضها جملة وتفصيلا، ويأتي على رأس هؤلاء الإخوان وأشياعهم من ذوى المصلحة. وهؤلاء عادة ما يرفعون شعار: (لا يمكن فرض حلول من الخارج) أو (لا للإمارات وهكذا). ولكن المفارقة أن ما يشبه هذا الموقف يتجسد أيضا في قطاع عريض من جماهير الدعم والهامش. وهؤلاء يتوجسون من الرباعية إنطلاقا من هاجس سرقة ثورة التغيير وفوبيا الجلابى.
وهناك من يقبلها بقضها وقضيضها لأن المهم عنده هو إنقاذ الشعب والوطن بعد أن وصلت الأمور إلى الحد الذى يستوجب تقديم التنازلات والنزول عند الحكمة. وهناك أيضا الذين يقبلونها مسبوقة ب “لكن” وهى قد تعنى،، أنه لا مانع من الرباعية وأشباهها ولكن بشروط. وهم عادة ما يرددون عبارات من قبيل: (حوار دون أي إقصاء لأحد) ولكنهم يستبطنون رفض الدعم وتأسيس والقحاتة والمشتركة في نفس الوقت. وهذه الفئة تشبه الفلول والكيزان ومنهم على سبيل المثال،، “الإخوان الشيوعيون” وبعض القوى اليسارية الأخرى ولا يستبعد أن يكون أغلبهم متخادمين مع مؤسسة الإخوان من الباطن. إنهم ممثلوا قوى الحلف اليسارى الباطنى العالمى.
وهناك بالطبع المترددون الذين حار بهم الدليل وأعياهم إختيار الوجهة أو الإصطفاف مع هذا وذاك. غير أن أكثر الذى لفت نظرى من بين كل هذه المواقف ذلك الموقف الذى يرفض الرباعية ويطرح إمكانية الحل عن طريق إستعادة الثوار للثورة! هذا الرأي قفذ إلى الواجهة هذه الأيام بحجة أن المطروح حاليا لا يمثل إلا شكلا من أشكال إعادة تدوير لنفس العناصر والجهات التي سرقت ثورة التغيير وحدث ما حدث. ومما يجعل المسألة أكثر تعقيدا أنه رأى يكاد يستبعد الجميع ما عدا هؤلاء الذين يسمون بالثوار. هذا الطرح مفهوم ولكنه في تقديرى غير واقعى للأسباب التالية:
أولا،، مصطلح “شعب” عادة ما يعنى عموم السودانيين ولكنه أصبح اليوم هلامى وبلا معنى تقريبا.. نحن اليوم وللأسف شعوب وليس شعب واحد. فقد توزع الشعب على عدة تيارات وإتجاهات بحيث أصبح لكل فريق شعبه الخاص الذى يتحدث بإسمه ويعبر عنه. نفس الشىء ينطبق على مصطلح “الثوار” أيضا، فالثوار هم من ذات الشعب المنقسم مشتت الرؤى مزعزع الولاء. نحن لا نستبعد وجود الأنماط الثورية المبدئية من بين هؤلاء ولكننا أصبحنا لا نعرفهم ولا نعرف حجمهم. أكثر من كنا نظنهم ثوار نكصوا عهد الثورة وتفرقوا بين القبائل ومن بقى منهم فإن حالهم ليس بأحسن من حال الأيتام في مائدة اللئام.
ثانيا،، نحن لم نر من الرباعية حتى الآن إلا بعض الإجراءات التمهيدية وهى تسعى بين أشواك وأوحال الأزمة من أجل الحل. فما أدرانا بكل ما تخفى من إجراءات وترتيبات وما أدرانا أنه لم تضع في إعتبارها كل تلك الأوضاع حتى نرفضها؟ الوساطة تعمل في حقل ألغام وكأنها تحاول جمع فتات الفسيفساء السودانية التي هشمها الكيزان. الوساطة تعمل على هندسة أنسب مقاربة للقواسم المشتركة بين مكونات المجتمع. فالسلام لا يكسب بالحرب وإنما بالتفاهم. ويلزم هنا أيضا معرفة أن الرباعية في مرحلتها الحالية هي عبارة عن منبر لتسهيل التفاوض بين الفرقاء من أجل إيقاف الحرب أولا لأنه من دون إيقافها فلن يكون هناك تفاهم أو سلام أو إغاثات وستستفحل الأزمة أكثر نتيجة التدويل والتدخلات.
ثالثا،، الشعب السودانى هو مجموع تلك الأجسام والتيارات التي يقصيها هذا الطرح فهل من المعقول إفتراض مجابهة الثوار العزل وحدهم لكل تلك القوى بما فيهم الكيزان وحلفهم الأخطبوطى؟ تأسيس، صمود، الحركات، وكافة الأحزاب والتيارات الشعبية الوطنية أجسام صلبة ومؤثرة ولا يمكن تجاوزها أبدا، سيما إذا وضعنا في إعتبارنا وحدة وسيادة الوطن؟؟. جميع هؤلاء هم نحن الصالح منا والفاسد فمن أين لنا بشعب غيرنا يصلح حالنا وما الذى يصلح الملح إذا الملح فسد؟
فكرة أن يتولى الثوار مهمة إستعادة التغيير من براثن الجلاد أمنية جميلة ولكنها مستحيلة، وإجمالا فقد أثبتت الأيام أننا لو تركنا لوحدنا لكى ننتج حلا فإننا لن نفلح وإلى يوم القيامة. المساعى والجهود الإقليمية والدولية هي منابر لتسهيل الحل وليس لفرضها وهى مطلوبة وبقوة بالنظر إلى حقيقة أن:
لكلا طرفى الحرب رعاة إقليميين ودوليين يمدونهم بالسلاح ويرفدونهم بالمواقف السياسية. وأيضا بالنظر إلى مخاطر الحرب والخشية من تمددها إلى الجوار الإقليمى. وطبعا بالنظر أيضا إلى النتائج المدمرة التي وصلت إليها الحرب على المستويين الإنسانى والمادى من أجل حماية الإنسان وبيئته ومقدراته وبنيته التحتية.
ولتخفيف قلق الثوار وخوفهم من سرقة الثورة فإنه يلزم تمثيل القوى المدنية الثورية والوطنية تمثيلا حقيقيا في كافة مراحل المفاوضات. فهى الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها ضمأنتهم وضمان عدم سرقة تطلعاتهم في التغيير. يلزم أيضا تشريح عبارة (دون إقصاء لأحد) تشريحا دقيقا حتى تعرف مكنوناتها، فهى تبدو اليوم عادية ولكن في السياسة فإن “الشيطان يكمن دائما في التفاصيل” السودان الجديد يجب أن يشارك في صياغته الجميع ولكن تلك العبارة قد تعنى إعادة الإخوان من الباب الخلفى في نفس الوقت. وكأنك يا أبوزيد ما غزيت من بعد كل هذا الدمار والإندكاك؟ وحقا دعونا لا نلدغ من ذات الجحر مرات ومرات.
تصريح البرهان الأخير خطير ومربك للغاية،، ولهذا كثر الحديث حوله وسيستمر حتى تنجلى بعض خفاياه. والأرجح أننا لن نعرف الكثير مما وراءه إلا بعد أن تنتهى لعبة الثلاث ورقات هذه. فهو قد يعنى فعلا رفضا للتفاوض والتمسك بجانب الإخوان وفى مثل هذه الحالة يصعب التكهن بموقف مصر التي إعتادت التنسيق مع البرهان وتعرف جيدا التبعات التي يمكن أن تترتب على ذلك. يعزز هذا الإتجاه تكثيفه للهجوم على عدة مناطق في كردفان ودارفور بغارات الطائرات المسيرة مثلا هذه الأيام. وهو قد يعنى التمويه على مؤسسة الإخوان في نفس الوقت وبصرف النظر عما يمكن أن يجر ذلك من مخاطر عليه شخصيا وعلى سلام الناس والبلد. والبرهان عندما يضع مثل تلك الشروط فإنما هو يكذب ويتناسى أن الآخرين أيضا بإمكانهم أن يضعوا شروطا لا قبل له ولأنصاره بها: (التحقيق في هوية الجهة التي أطلقت رصاصة الحرب الأولى. مذبحة القيادة. الإنقلاب وما ترتب عليه. تسليم المطلوبين إلى الجنائية الدولية. السلاح الكيماوى وهلم جرا). وإستطرادا فالبرهان ربما يستبطن رغبة في الإنفصال؟. إجمالا فنحن إما أننا في الخطوة الأولى لمسار السلام الجاد وإما أننا بصدد مواجهة أقوى مع المجتمع الدولى الأمر الذى يمكن أن يجر إلى تدخل دون رغبة الجميع هذه المرة.
المشكل السودانى أكثر تعقيدا مما يظنه الكثر، فهو قد أصبح مرتبطا إرتباطا وثيقا بملفات إقليمية ودولية عديدة. (القضية الفلسطينية، البحر الأحمر، التضاغط اليسارى الغربى، مياه النيل، الإرهاب إلخ). وهذه العوامل هي التي كانت سببا في إنخراط كل من مصر وإيران وتركيا والسعودية والإمارات وإرتيريا وليبيا والجزائر واليمن ممثلا في الحوثى)؟. أخشى أن السودانيين وبعد كل ما عانوه ما يزالون موعودون بمفاجآت فوق المتصور يشيخ لهولها الولدان.
السودانيون هم اليوم أمام أكثر إختبارات التاريخ مرارة فالكيزان وفلولهم قد باعوا السودان لمصر مما يستوجب وقوفهم وقفة رجل واحد لتأمين سيادتهم ولا يبقون حديقة خلفية لمصر حيث تكمن السيادة والكرامة الحقيقية. وإلا فإن مصر على وشك الحصول على أكبر وأقيم غنيمة مجانية عبر التاريخ.
يقول تعالى: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملى لهم إن كيدى متين).
على الكبير…

زر الذهاب إلى الأعلى