


في صباحٍ بارد من شباط 2024، كان مطار نيكولا تسلا في بلغراد يستقبل ضوء النهار بينما يستعد ركاب رحلة Air Serbia 324 للإقلاع. الطائرة من طراز Embraer 195، تحمل التسجيل OY-GDC، وتستوعب في العادة ما يقارب 116 راكبًا بطاقة جلوس كاملة. في ذلك اليوم كان على متنها 106 أشخاص، بينهم الركاب والطاقم. قادها الكابتن ماركو، بخبرة طويلة تجاوزت آلاف الساعات، وإلى جانبه المساعد أليكس الذي ما زال يخطو خطواته الأولى في الطيران مقارنةً بقائده. بالنسبة للركاب، لم تكن سوى رحلة عادية… لكن دقائق قليلة كادت أن تحوّلها إلى مأساة.
منح برج المراقبة الإذن بالإقلاع من تقاطع D6، وهو المدخل الذي يتيح للطائرة استخدام طول المدرج كاملاً. المدرج في عالم الطيران ليس مجرد إسفلت ممتد، بل هو حياة محسوبة بالمتر، تُحدد وفق وزن الطائرة والظروف الجوية. لكن ماركو قاد الطائرة من تقاطع D5، الأقصر بأكثر من 150 مترًا، ليترك أمام الطائرة مسافة 1,273 مترًا فقط، بينما كانت تحتاج إلى 1,440 مترًا على الأقل كي تقلع بسلام.
المراقب لاحظ الخطأ فورًا، ونبّه الطاقم أن المسافة غير كافية، طالبًا منهم العودة. لكن الكابتن رفض، وبثقة مفرطة ضغط على أليكس للاستمرار. بدأت الطائرة بالاندفاع بقوة، وسرعة العداد ترتفع: 60 عقدة… 70… 80 (العقدة وحدة السرعة في الطيران، تعادل نحو 1.85 كم/س). عند هذه النقطة شعر المساعد بالخطر، لكن لحظة القرار الحاسمة ضاعت أمام إصرار القائد.
ارتفعت الطائرة عن الأرض متأخرة، وجناحها الأيسر اصطدم بأعمدة نظام ILS – النظام الإلكتروني الذي يرشد الطائرات عند الهبوط – فتضرر الجناح وتسرب الوقود. الركاب في الداخل أحسوا باهتزازات وأصوات معدنية مجهولة، بينما في قمرة القيادة خيّم الصمت المشحون بالتوتر.
ماركو دفع المحركات إلى أقصى طاقتها، إلى وضعية TOGA (Take Off/Go Around) التي تمنح المحركات قوتها الكاملة. وبمعجزة، ارتفعت الطائرة قليلًا، وظلت تحلق 57 دقيقة في الأجواء حتى عادت وهبطت بسلام. نجا جميع الركاب والطاقم، لكن الطائرة نفسها لم تعد صالحة للطيران، وتم شطبها نهائيًا.
عندما أُعلن التحقيق، ظهرت الحقيقة: لم يكن ما حدث عطلًا فنيًا، بل قرارات بشرية متعمدة. الكابتن تجاهل التعليمات، والمساعد لم يعارض. والصندوق الأسود – الذي يسجل كل البيانات والأحاديث – كشف تناقضًا بين ما قاله الطاقم وما جرى بالفعل.
هذه الحادثة أصبحت درسًا في عالم الطيران:
أن الثقة المفرطة قد تكون أخطر من أي خلل تقني، وأن الالتزام بالقوانين والإجراءات هو ما يحمي الأرواح.
برأيكم، هل كان مساعد الكابتن مخطئ بالموافقة على قرار قائد الطائرة وخاطر بحياة 106 إنسان، أم يتخذ القرار الأصعب ويعارض قائد الطائرة لإنقاذ الجميع !



