الأعمدة

من فساد الكيزان إلى فوضى الجنجويد: حكاية وطنٍ بلا ضمير

بقلم: أمل بطرس ميخائيل

الأزمة في السودان لم تبدأ من اليوم الأول للحرب، ولم تُخلق من قلب المعركة بين جيشٍ ومليشيا، ما نعيشه اليوم هو حصاد عقودٍ من الفساد، وانهيار منظومة القيم، واغتيال الحسّ الوطني داخل النفوس. فقبل أن تدق طبول الحرب، كانت الأرض قد زُرعت بكل أسباب الانفجار، منذ سنوات، تسلّل الفساد إلى كل زاويةٍ في الدولة حتى أصبح أسلوب حياة، لم يعد الناس يخجلون من السرقة أو من الرشوة أو من المحسوبية أو من تهريب ثروات بلدهم، بل صارت هذه الأعمال الحقيرة تبرر بإسم الشطارة لتتآكل الأخلاق، والمخدرات التي لم تكن تُعرفها و نسمع عنها القليل صارت تُتداول بين الأطفال في المدارس، و بعد أن كانت القيم تُربّي الإنسان قبل القانون، اليوم صار القانون بلا إنسان.

في الماضي، كان السيئون قلة، واليوم صارت الوقاحة سمةً عامة، والفساد أمرًا معتادًا، والوشاية مهنة، والانحطاط بطولة. تغيّرت تركيبة السودان. دخل علينا أناسٌ يُحسبون علينا وهم لا يعرفون شيئًا عن هذا البلد، لا لغته ولا قيمه ولا ترابه. صار كثيرٌ ممن يحملون الجنسية لا يحملون الانتماء. وهكذا تغيّرت ملامحنا، وتبدّلت صورتنا أمام العالم، حتى صرنا مصدر قلقٍ وسمعةٍ سيئةٍ لجيراننا، بعد ما كنا رمز الوقار والتواضع والأدب. كل ما نحن عليه اليوم لم يحدث صدفة. لقد تمّ تخطيط هذا الانهيار بعناية كيزانية مريضة، هدفها أن يُفصل الشعب السوداني الشريف من مفاصل الدولة، ليُجبر على الرحيل، تاركًا مكانه لمن لا يعرف معنى الوطن، تمّ إقصاء الكفاءات، وتشريد العقول، وملاحقة الشرفاء، حتى خلا الميدان للكيزان ومن شايعهم — أناسٌ لا يعرفون الولاء إلا للحزب، ولا يؤمنون بالوطن إلا كمزرعةٍ تُدرُّ مالًا وسلطةً ونفوذًا.
وهكذا ورثنا دولةً مشوّهة، يحكمها من لا يعرف كيف يُحبها، ويتحدث باسمها من لا يحملها في قلبه، و أصبح الوطن غنيمةً، والمناصب إرثا، والمواطن أصبح مجرد رقمٍ في طوابير النزوح والجوع.
اليوم، لا يمكننا أن نقول إن الحرب هي أصل الأزمة، لأن الأزمة أعمق: أزمة ضمير، أزمة هوية، وأزمة انتماء. الشعب السوداني فقد إحساسه بوطنيته. أصبح يرى في المرتزق والمجرم خلاصًا من المجرم الآخر. من علي كرتي إلى حميدتي، ومن مليشيا إلى أخرى، تدور الدائرة وتتعفن الصورة، و لا فرق بين قاتلٍ قديمٍ وآخر جديد، فالكل يحمل السلاح نفسه ويُطلق ذات الرصاصة على ذات الجسد — جسد الوطن
اليوم، السوداني الأصيل يخاف أن يُحكم من سوداني. يخاف من الكوز، و يخاف من حميدتي، ويخاف من الحلو، ويخاف من علي كرتي، ويخاف من كلّ رأس عصابةٍ تصدّر المشهد السياسي. فالمشهد اليوم لا يتصدره إلا المجرمون، ولا يسمع فيه صوتٌ غير صوت البندقية. فأي سودانٍ هذا؟ وعن أي سودانيين تتحدثون؟ من يحلم بالعودة، من يمني نفسه بأن يجد “أفضل السيئين” ليحكمه؟
لهذا قالها بعضهم صراحة: “لن نعود إلا إذا رأينا علم دولةٍ أجنبية يرفرف على أرضنا.”
وهذه العبارة ليست خيانة، بل وجع. وجع أمةٍ لم تجد بين أبنائها من يُنقذها من الخراب. فشل حمدوك، فشلت قحت، فشل تجمع المهنيين، فشلت الأحزاب، وفشلنا نحن كشعبٍ حين سكتنا وتفرّقنا ورضينا بالقليل، النهاية التي كتبناها بأيدينا
السودان اليوم لا يحتاج إلى وقف إطلاق نار، بل إلى بعث ضمير. لا يحتاج إلى زعيمٍ جديد، بل إلى تربيةٍ جديدة. لا يحتاج إلى مؤتمرٍ دولي، بل إلى مراجعةٍ داخلية. ما لم نستعد الشرف، والانتماء، والمسؤولية، فكل سلامٍ هشّ، وكل دولةٍ مؤقتة.
نحن نعيش من خراب الكيزان إلى خراب الجنجويد، ومن دمٍ إلى دم، ومن خيبةٍ إلى خيبة.
والعالم يشاهدنا ونحن نحترق… بصمت.
سوف لن يُبنى السودان من جديد ما لم يُبعث ضميره أولاً.
فالأوطان لا تنهض بالبندقية ولا بالشعارات، بل بضميرٍ حيّ يعرف أن الوطن ليس أرضًا فقط، بل مسؤولية.
وحين يستيقظ هذا الضمير، سيعود السودان كما كان: بلد الكرامة، لا مرتع العصابات.
فمتى سيستيقظ الضمير؟

زر الذهاب إلى الأعلى