الأعمدة

فجر جديد يلوح في الأفق: السودان على أعتاب السلام والخلاص من إرث الفساد”

كتب: معاوية أبوالريش
“جراح أمة ودماء أبرياء”
لقد ابتُليت الأمة السودانية بحرب عبثية مدمرة اندلعت في الخامس عشر من أبريل عام 2023، حرب لم تكن حتمية ولا مبررة، بل كانت نتاجاً حتمياً لمؤامرات دُبرت في الظلام وأطماع سياسية تغذت على دماء الأبرياء. هذه الحرب الطاحنة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع خلّفت وراءها مشهداً مروعاً من الدمار والخراب: عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، ملايين النازحين والمشردين داخل السودان وخارجه، تدمير ممنهج للبنية التحتية من مستشفيات ومدارس وجسور ومرافق حيوية، وآثار نفسية عميقة ستظل محفورة في وجدان الشعب السوداني لأجيال قادمة.
وسط هذا الدمار، ظلت جهود الرباعية الدولية – التي تضم الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية – تسعى جاهدة لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان، لكنها واجهت عقبات جسيمة أبرزها تحريض قادة النظام البائد – نظام الإنقاذ الكيزاني – لقيادات الجيش السوداني على مواصلة القتال، إذ رأوا في استمرار الحرب فرصة ذهبية لتحقيق حلمهم المستحيل: العودة إلى السلطة بأي ثمن، ولو على حساب وطن بأكمله.
“جذور الكارثة: نظام الإنقاذ وضلوعه في إشعال الحرب”
إن المتتبع للأحداث التي سبقت اندلاع هذه الحرب المشؤومة يدرك بجلاء أن قادة المؤتمر الوطني البائد كانوا وراء إشعال فتيلها. فقد كانت كل المؤشرات قبل الخامس عشر من أبريل تشير إلى تصاعد خطير في التوترات، وكانت أصابع الاتهام تشير بوضوح إلى دور فلول النظام البائد في تأجيج الصراع وتعميق الخلافات بين المكونين العسكريين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع ، بهدف إفشال المسار الانتقالي نحو الديمقراطية وإعادة السودان إلى براثن الاستبداد والفساد.
إن هؤلاء القوم هم السبب المباشر والحقيقي لكل ما حل بالسودان من خراب ودمار. فهم من أنشأ قوات الدعم السريع في الأصل لتكون أداة بطش وقمع في أيديهم، وهم من أقعد بالسودان وعزله عن المجتمع الدولي بسياساتهم الرعناء والحمقاء طوال ثلاثة عقود من الحكم الأسود. لقد حولوا السودان من سلة غذاء العالم ودولة واعدة إلى دولة منبوذة دولياً، مصنفة ضمن قوائم الإرهاب، يعاني شعبها من الفقر والجوع والتهميش.
“سجل حافل بالفساد والقمع: ثلاثة عقود من النهب المنظم”
إن الحديث عن فساد نظام الإنقاذ يحتاج إلى مجلدات، فقد استشرى الفساد المالي والإداري والأخلاقي في كل مفاصل الدولة. لقد نهبوا المال العام بلا حياء، وباعوا أهم الأصول والمشاريع القومية والوطنية بأثمان بخسة لقيادات بارزة في الحزب الحاكم تحت ستار “الخصخصة”، وهي في حقيقتها سرقة منظمة لثروات الشعب.
لقد بدأت جرائمهم المالية بنهب عائدات البترول، تلك الثروة التي كان يُفترض أن تنقل السودان إلى مصاف الدول المتقدمة، لكنها تبددت في مشاريع وهمية وجيوب خاصة لقيادات النظام وأتباعهم. وفي الوقت الذي كان فيه الشعب يعاني من الفقر والعوز، كانت قيادات المؤتمر الوطني تستولي على أراضي الدولة وتوزعها فيما بينها كغنائم، محولين ثروات الوطن إلى أملاك شخصية لكوادر الحزب ورموزه. ولم يكتفوا بذلك، بل تلاعبوا بسعر صرف العملة الوطنية لصالح تجار الحزب والموالين له، مما أدى إلى انهيار القوة الشرائية للجنيه السوداني وإفقار ملايين المواطنين.
وفي جريمة اقتصادية منظمة، قاموا بتفكيك المؤسسات الاقتصادية الإنتاجية التي بناها الآباء والأجداد بعرق جبينهم، وباعوها بأسعار متدنية لا تساوي عُشر قيمتها الحقيقية، تحت مسمى “الخصخصة” المزعومة وكان من أبرز هذه الجرائم بيع شركة النيل الأزرق للنسيج والمشاريع الزراعية الكبرى والبنوك الحكومية لقيادات الحزب بأثمان بخسة، بينما تحولت هذه المؤسسات لاحقاً إلى إمبراطوريات مالية خاصة لمن استحوذوا عليها.
ولم يتوقف نهبهم عند هذا الحد، بل أهدروا موارد البلاد الشحيحة في مغامرات عسكرية وحروب أهلية مدمرة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، حروب لم تكن لها ضرورة لولا سياساتهم التمييزية والإقصائية. وفي تجسيد صارخ لدولة داخل الدولة، أنشأوا شركات موازية للدولة تحت سيطرة الأجهزة الأمنية والحزبية، تنهب الموارد وتحتكر التجارة وتتحكم في أسعار السلع الأساسية، بينما كانت مؤسسات الدولة الشرعية تتآكل وتنهار تحت وطأة الإهمال والفساد.
أما على الصعيد السياسي والحقوقي، فقد قمعوا الحريات بأبشع الصور، واضطهدوا وعذبوا كل من يخالفهم في الرأي. امتلأت سجونهم السرية – بيوت الأشباح – بالمعارضين والأحرار، وسالت دماء الشهداء في شوارع السودان على مدى ثلاثة عقود، حتى جاءت ثورة ديسمبر المجيدة في 2018-2019 لتسقط نظامهم البغيض.
“تمسك بالحرب لأجل المصالح الضيقة”
ورغم كل هذا التاريخ الأسود، لا يزال هؤلاء الفاسدون يتمسكون بالدعوة إلى مواصلة الحرب العبثية، لا لشيء إلا لتحقيق مصالحهم الضيقة ولو على حساب إراقة مزيد من دماء السودانيين والسودانيات وتفتيت الوطن. إنهم يستثمرون في الدمار، ويتاجرون بالأحزان، ويعتبرون استمرار الحرب فرصتهم الوحيدة للزحف نحو السلطة من جديد، متخذين من الفوضى سُلّماً لأطماعهم المريضة.
“بشائر السلام: رؤية للمستقبل”
لكن الله غالب على أمره، وإن غداً لناظره قريب. فها هي بوادر الأمل تلوح في الأفق، وإشارات السلام تومض في سماء السودان المعتمة. إن المؤشرات كلها تنبئ بأن الأيام القادمة ستشهد تحولاً تاريخياً في المشهد السوداني، يتمثل في:
أولاً: توقيع اتفاقية سلام شاملة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، تنهي هذه الحرب الكارثية وتوقف نزيف الدم والدمار، وتفتح صفحة جديدة للتعايش السلمي وبناء الوطن.
ثانياً: تشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة يضم قوات الدعم السريع، في إطار توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء التعددية العسكرية التي كانت من أهم أسباب الأزمة.
ثالثاً: تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة، تضم خيرة أبناء وبنات السودان من التكنوقراط والمهنيين المشهود لهم بالنزاهة والكفاءة، تتولى إدارة شؤون البلاد في المرحلة الانتقالية.
رابعاً: إخراج المؤتمر الوطني نهائياً من المعادلة والمشهد السياسي، وتطهير الحياة السياسية السودانية من رموز الفساد والاستبداد، وفتح صفحة جديدة يكون فيها السودان لكل السودانيين.
خامساً: خروج المؤسسة العسكرية من العمل السياسي وحل مجلس السيادة الانتقالي، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من الحكم المدني الديمقراطي.
سادساً: الإعلان عن انتخابات حرة ونزيهة بعد انقضاء الفترة الانتقالية للحكومة المدنية المؤقتة، يختار فيها الشعب السوداني قادته بإرادته الحرة الكاملة.
“السلام رحمة وحكمة: نداء الدين والعقل”
إن اختيار السلام ليس ضعفاً بل هو قوة، وليس استسلاماً بل هو حكمة ورحمة بالشعب. لقد حثنا الله عز وجل في كتابه الكريم على السلام فقال: “وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” (الأنفال: 61). وقال سبحانه: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً” (البقرة: 208).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تَحاسَدُوا، ولا تَناجَشُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَدابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا” وقال عليه الصلاة والسلام: “المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ”.
إن حقن الدماء مقصد شرعي عظيم، وحفظ النفس من المقاصد الخمسة الكبرى في الشريعة الإسلامية. وإن كل نفس تُزهق بغير حق هي كارثة إنسانية ومأساة يحاسب عليها الإنسان يوم القيامة قال تعالى: “مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا” (المائدة: 32).
إن الاستماع إلى صوت العقل واختيار السلام ليس خياراً سياسياً فحسب، بل هو واجب ديني وإنساني وأخلاقي. إنه الطريق لإنقاذ ما تبقى من السودان، ولبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
” فجر جديد”
إن السودان على موعد مع التاريخ في الأيام القادمة. موعد مع السلام الذي طال انتظاره، ومع نهاية حقبة الفساد والاستبداد، ومع بداية عهد جديد من الحرية والكرامة والبناء. إنها لحظة فارقة ستحدد مصير أمة بأكملها، وستكون شاهداً على أن إرادة الشعوب في النهاية هي الأقوى، وأن الحق مهما طال الليل لا بد أن ينتصر، وأن السلام مهما كثرت العقبات هو الخيار الحتمي للإنسانية.
فلنستعد لفجر جديد يشرق على السودان، فجر السلام والحرية والعدالة، فجر يمحو آثار الحرب ويبني على أنقاضها وطناً جديداً لكل السودانيين والسودانيات، وطناً يتسع للجميع، وطناً نفخر به ونورثه لأبنائنا وأحفادنا عزيزاً كريماً حراً.

زر الذهاب إلى الأعلى