الأعمدة

التضامن اليمني .. إرادة تتجاوز العجز

عثمان الغتنيني
قبل أن تغادر بعثة نادي تضامن حضرموت إلى المملكة العربية السعودية للمشاركة في بطولة كأس أندية الخليج العربي لكرة القدم، جمعتني مصادفة جلسة قصيرة بأحد أفراد البعثة. كان الحديث عابراً في بدايته، لكنه سرعان ما انقلب إلى مرآة صادقة تعكس وجع الواقع الرياضي في اليمن. حدّثني الرجل بنبرة خافتة عن معاناة الفريق، قائلاً إنهم ـ وهم الممثل الوحيد للكرة اليمنية في هذا المحفل الخليجي ـ يعيشون على الديون، يستدينون المال ليكملوا معسكرهم في جدة، ويقتطعون من حاجاتهم ليحافظوا على حلم المشاركة. إنها المشاركة الأولى للنادي في تاريخه، لكنها بدت أشبه برحلة إيمان أكثر منها منافسة رياضية.
ورغم كل ما يحيط بهم من صعوبات ومعوقات وإهمال، ظلّ هذا النادي الحضرمي مصرّاً على أن يرفع راية اليمن عالياً، أن يقول للعالم إن في هذا البلد ما يزال في القلب نبض وفي الروح بريق. أرادوا أن يمنحوا الجماهير اليمنية لحظة فرح نادرة، بعد سنواتٍ مثقلةٍ بالخذلان والخيبات، فكانوا صورة للعناد النبيل، ومثالاً على أن الكبرياء لا يُقاس بحجم الإمكانيات، بل بعمق الانتماء.
افتتح التضامن مشاركته بهزيمة قاسية أمام الريان القطري بخماسية بيضاء، نتيجة بدت طبيعية إذا ما قورنت بما يملكه الفريقان من إمكانيات مادية وفنية. لكن الفريق لم ينهزم نفسياً؛ عاد لينهض من رماده، ليكتب في الدوحة فصلاً آخر من الحكاية بفوزه التاريخي على الشباب السعودي بهدفين نظيفين، فوزٌ أعاد إليه شيئاً من الكرامة، وفتح باب الأمل أمامه وهو يشدّ الرحال إلى عُمان لخوض مباراة الرد.
تحدث إليّ صديقي من هناك بدهشةٍ ممزوجةٍ بالحزن: “تخيّل، نادي التضامن لا يملك حافلة خاصة به! لا موارد مالية، لا شركة راعية، لا دعم يليق بفريق يمثل وطناً بأكمله. كل ما لديه هو ديون تتراكم، وإرادة تقاوم العدم”. كانت كلماته موجعة، كأنها تلخص حال وطنٍ بأسره: وطنٌ يحلم رغم العوز، ويقاتل رغم أن الأرض من تحته تهتز.
من هنا، لا بد أن نرفع الصوت عالياً، لا من أجل نادٍ بعينه، بل من أجل المعنى الذي يجسّده. نناشد وزارة الشباب والرياضة، واتحاد كرة القدم اليمني، ورجال المال والأعمال، وكل من يملك حسّاً وطنياً، أن يقفوا إلى جانب هذا الفريق الذي سُمّي عن جدارة “الإمبراطور”. فهو اليوم لا يلعب باسم حضرموت وحدها، بل باسم اليمن كله، بآلامه وآماله، بعثراته وأحلامه المؤجلة.
إن التضامن مع “التضامن” ليس ترفاً عاطفياً، بل واجبٌ وطني وأخلاقي. فحين يخرج شباب هذا الوطن إلى ميادين الرياضة حاملين ألوانه، يستحقون أن يجدوا من يساندهم، لا أن يُترَكوا يواجهون وحدهم صعوبة الطريق. إنهم يذكّروننا بأن الانتماء الحقيقي لا يُشترى، وأن الكبرياء اليمني ما زال يقف شامخاً، ولو على أرضٍ مثقلةٍ بالخذلان.
فلتكن رسالتنا صادقة: قفوا مع التضامن، تضامنوا معه… فبعض الرموز حين تسقط، تسقط معها آخر ما تبقّى من الحلم.

زر الذهاب إلى الأعلى