تقارير

‏اقتصاد السودان الخفي.. كيف صمد أخطبوط المال الخفي للحركة الإسلامية من سقوط إمبراطورية البشير

‏كشف تقرير لموقع «هورن ريفيو» الإثيوبي أنه عندما أُطيح بعمر البشير في أبريل 2019، بعد ثلاثة عقود من الحكم ذي الطابع الإسلامي، تحركت الحكومة الانتقالية السودانية سريعًا لتفكيك البنية الاقتصادية التي حافظت على بقاء نظامه، عبر مصادرة أصول، وإدانة شخصيات بارزة، وتشكيل لجنة إزالة التمكين لتتبع الشرايين المالية للحركة الإسلامية السودانية عبر مؤسسات الدولة.
‏وأوضح التقرير أن ما كشفته تلك العملية لم يكن مجرد فساد، بل نظامًا متعمدًا للسيطرة على الدولة؛ تمثل في شبكة متعددة الطبقات من الشركات، والحيازات الخارجية، وقنوات المحسوبية، صُممت لضمان استمرار نفوذ جماعة الإخوان المسلمين على الاقتصاد المنتج في السودان، بغض النظر عمن يملك السلطة رسميًا.
‏وأضاف أن الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، الذي استهدف مجلس الحكم الانتقالي المدني، أعاد مسار الأمور إلى الوراء، حيث أعاد شخصيات سبق أن أُدينت، وأرجع الأصول المصادرة، وأعاد دمج الشبكات نفسها داخل مؤسسات الدولة، وهي الشبكات التي حاولت المرحلة الانتقالية تفكيكها.
‏وأوضح موقع «هورن ريفيو» الإثيوبي أن أحدًا لا يجسد عمق واستمرارية الجهاز المالي للحركة الإسلامية السودانية أكثر من عبد الباسط حمزة الحسن محمد خير.
‏وبيّن أنه خلال عهد البشير، شغل حمزة منصب رئيس مجلس إدارة شركة سوداتل، المزود الرئيسي لخدمات الاتصالات في السودان، وفي الوقت نفسه بنى واحدة من أكبر الإمبراطوريات الخاصة في البلاد، امتدت إلى قطاعات العقارات والنفط والأراضي والذهب والخدمات المالية.
‏وقدّرت التحقيقات السودانية التي أُجريت وقت توقيفه قيمة ممتلكاته بمليارات الدولارات، حيث لم يكن مجرد رجل أعمال يعمل في بيئة سياسية مواتية، بل كان عقدة مركزية في استراتيجية الحركة الإسلامية الاقتصادية، ويدير تدفقات مالية تجاوزت حدود السودان.
‏وفي 18 أكتوبر 2023، صنّف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية حمزة ضمن قائمة «الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص»، متهمًا إياه بإدارة شركات ضمن محفظة حماس الاستثمارية، وغسل الأموال، وتوليد إيرادات لصالح الحركة.
‏وحسب تقرير «هورن ريفيو»، قالت الخزانة الأميركية إن حمزة شارك بشكل مباشر في تحويل ما يقارب 20 مليون دولار إلى حماس، بما في ذلك أموال وصلت إلى الممول البارز للحركة ماهر جواد يونس صلاح، الذي سبق أن أدرجته واشنطن على قوائم العقوبات عام 2015.
‏وبعد تسعة أيام، في 27 أكتوبر، فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية عقوبات على ثلاث شركات مرتبطة بحمزة، هي: مجموعة زوايا للتنمية والاستثمار المحدودة في السودان، وشركة زوايا للتنمية والاستثمار في إسبانيا، وشركة لاريكوم للاستثمار في السودان، باعتبارها أدوات ضمن محفظة حماس الاستثمارية السرية حول العالم.
‏كما صنّف الاتحاد الأوروبي مجموعة زوايا باعتبارها شركة واجهة تُستخدم لتسهيل التدفقات المالية لحماس.
‏وكشفت تسريبات أن حمزة، عبر مجموعة زوايا، امتلك حصصًا في شركة «ماتز هولدينغز» المسجلة في قبرص، والتي حصلت على امتيازات مربحة للتنقيب عن الذهب في مصر.
‏وأظهرت الوثائق أصولًا تقدر بعشرات الملايين من الدولارات، مع احتفاظ حمزة بحصة نسبتها 10% حتى بعد تخليه عن جزء كبير من أسهمه قبل يوم واحد فقط من سقوط البشير في أبريل 2019، وهي خطوة اعتُبرت مؤشرًا على امتلاكه معلومات مسبقة عن قرب انهيار النظام.
‏كما امتلك عقارات في إسبانيا عبر كيان منفصل طالته لاحقًا العقوبات الأميركية.
‏وقال محمد الفكي سليمان، الرئيس السابق بالإنابة للجنة السودانية المدنية لمكافحة الفساد، لشبكة «سي إن إن»، إن محفظة حمزة الاستثمارية شملت النفط والفنادق والتسويق والمقاولات، وإنه حصل بصورة غير قانونية على ملايين الأفدنة من الأراضي.
‏وأكد تقرير «هورن ريفيو» أن دور شركة سوداتل في الاقتصاد السياسي السوداني لم يكن مقتصرًا على قطاع الاتصالات، مشيرًا إلى أنها خلال عهد البشير تحولت إلى مركز لتراكم رأس المال المرتبط بالإسلاميين، باعتبارها مؤسسة مرتبطة بالدولة، تتداخل قياداتها مع شبكات الحركة الإسلامية، وتُستخدم هياكلها الاستثمارية الخارجية كقنوات لاستخراج الثروة وتحويلها.
‏وأشار إلى أن تلك العلاقات شملت قيادات في سوداتل، من بينهم رئيس مجلس الإدارة السابق عبد العزيز عثمان، وشخصيات مثل عبد الباسط حمزة، عبر ترتيبات ملكية غير شفافة واستثمارات تمر عبر شركات خارجية مثل «إكسبريسو» و«لاريكوم».
‏وأضاف أن حمزة، الذي اعتُقل عام 2019 وأُدين بتهم تتعلق بالفساد وغسل الأموال، وصدر بحقه حكم بالسجن عشر سنوات، وصودرت أصول تقدر بنحو 1.2 مليار دولار، أُطلق سراحه عام 2021، وأُلغيت إجراءات مصادرة ممتلكاته.

زر الذهاب إلى الأعلى