الأعمدة

“الفاشر: مأساة إنسانية يتجاهلها العالم”

كتب: معاوية أبوالريش
في زمن تتسارع فيه الأخبار وتُختزل فيه المآسي في عناوين عابرة، تنزف مدينة الفاشر – عاصمة شمال دارفور التاريخية – دماً حقيقياً بينما يكتفي العالم بدور المتفرج الصامت. ما يحدث في هذه المدينة العريقة ليس مجرد “أزمة إنسانية” بالمعنى الدبلوماسي المخفف للكلمة، بل هو كارثة أخلاقية تهز ضمير البشرية في صميمه.
“شهادات من قلب الجحيم”
منذ دخول قوات الدعم السريع إلى الفاشر، تحولت المدينة التي كانت يوماً رمزاً للتاريخ السوداني العريق – مدينة السلطان علي دينار – إلى مسرح لجرائم توثقها عدسات الهواتف المحمولة بوضوح مروع. عشرات الفيديوهات المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي تكشف حقيقة لا يمكن إنكارها: إننا أمام جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بكل ما تحمله هذه المصطلحات من معنى قانوني وأخلاقي.
المشاهد المسجلة تحكي قصصاً يصعب على العقل استيعابها: مدنيون عزل – رجال ونساء وأطفال وشيوخ – يتعرضون لأبشع أشكال العنف. القتل بوحشية غير مسبوقة، الاغتصاب الممنهج، الإعدامات الميدانية، وانتهاكات تتجاوز كل الخطوط الحمراء التي وضعتها الإنسانية عبر قرون من الحضارة.
“جرائم موثقة بأيدي الجناة”
المفارقة المؤلمة أن الجناة أنفسهم يوثقون جرائمهم بفخر مريض. بعد كل عملية قتل، تتعالى أصوات التكبير والتهليل، وتُرفع الهواتف لتسجيل لحظات يُفترض أن تملأ مرتكبيها خزياً وعاراً إلى يوم الدين. هذه الوحشية المصحوبة بالاحتفال تذكّرنا بأحلك فصول التاريخ البشري، حين فقدت جماعات بشرية آدميتها وتحولت إلى آلات قتل عمياء.
الأدلة موجودة، والشهادات متوفرة، والوثائق المرئية منتشرة. لم تعد هناك حاجة للتحقيق في حدوث المجازر – فالجناة أنفسهم يقدمون الأدلة على طبق من ذهب. والسؤال المحيّر: إذا كانت الجريمة واضحة بهذا القدر، فلماذا يستمر الصمت الدولي؟
“صمت المؤسسات الدولية: تواطؤ أم عجز؟”
أين الأمم المتحدة التي تأسست على أنقاض الحرب العالمية الثانية بوعد “لن يتكرر هذا أبداً”؟ أين مجلس الأمن الذي يُفترض أن يكون ضمير المجتمع الدولي؟ أين جامعة الدول العربية والفاشر مدينة عربية إسلامية تُذبح في صمت؟
لم نشهد قمة طارئة واحدة، ولم نسمع إدانة حازمة تتناسب مع حجم الجريمة، ولم نرَ خطوات عملية لوقف النزيف. الاجتماعات الروتينية والبيانات الباهتة والتصريحات الدبلوماسية المنمقة لا تساوي شيئاً أمام طفل يُقتل أو امرأة تُنتهك كرامتها أو شيخ يُذبح على قارعة الطريق.
معايير مزدوجة في زمن الانتقائية الأخلاقية
العالم الذي يتحرك بسرعة لإدانة انتهاكات في بعض الدول، يتحول إلى تمثال صامت عندما يتعلق الأمر بالسودان. هل حياة الإنسان السوداني أقل قيمة؟ هل دماء أطفال الفاشر أرخص من دماء أطفال آخرين في العالم؟ هذه الانتقائية الأخلاقية تكشف حقيقة مرة: أن المؤسسات الدولية تتحرك بدوافع سياسية واقتصادية أكثر من تحركها بدوافع إنسانية.
“مأساة شعب بأكمله”
ما يحدث في الفاشر ليس مجرد أرقام وإحصائيات. إنها قصص بشرية حقيقية: أمهات فقدن أطفالهن، آباء شاهدوا أبناءهم يُذبحون أمام أعينهم، نساء انتُهكت كرامتهن، أسر شُردت من بيوتها، مدينة كاملة تُمحى من الوجود معنوياً ومادياً.
الشعب السوداني – الذي عانى عقوداً من الحروب والصراعات – يشاهد اليوم واحدة من أعرق مدنه تُدمر أمام ناظريه دون أن يملك حولاً أو قوة. القلوب تنزف ألماً، والأرواح تتمزق حزناً، والسؤال يتردد في كل بيت سوداني: متى ينتهي هذا الكابوس؟
“نداء إلى الضمير الإنساني”
إلى كل من يقرأ هذه الكلمات ولا يزال يحمل في قلبه ذرة من الرحمة: الفاشر تحترق الآن. كل دقيقة صمت هي شريك في الجريمة، وكل لحظة تقاعس هي تواطؤ مع القتلة.
المطلوب ليس مجرد تعاطف عاطفي أو تغريدات تضامن سرعان ما تُنسى. المطلوب ضغط حقيقي على المجتمع الدولي، مطالبة بفتح تحقيقات جنائية دولية، محاسبة المجرمين أمام المحاكم الدولية، ووقف فوري لكل أشكال الدعم – العسكري أو السياسي – للجهات المتورطة في هذه المجازر.
” التاريخ لن يرحم الصامتين”
التاريخ سيسجل ما يحدث في الفاشر بحروف من دم. وسيسأل الأجيال القادمة: أين كنتم حين كانت مدينة بأكملها تُذبح؟ ماذا فعلتم حين كانت الأدلة واضحة والجريمة موثقة؟
الصمت اليوم هو عار سيلاحق البشرية. وكل من يملك منبراً أو صوتاً أو قدرة على التأثير ولم يتحرك، سيتحمل جزءاً من المسؤولية الأخلاقية عن هذه المأساة.
الفاشر – مدينة السلطان علي دينار – تستحق أن تعيش بكرامة وسلام. أهلها يستحقون العدالة. وضحاياها يستحقون ألا يُنسوا.
فلنرفع أصواتنا قبل أن يصمت آخر صوت في الفاشر.
هذا المقال صرخة من قلب سوداني ينزف، ونداء إلى كل ضمير حي في هذا العالم: لا تدعوا الفاشر تموت في صمت.

زر الذهاب إلى الأعلى