بقلم: أمير الزين نورالدائم
رغم أن جزءًا كبيرًا من السودانيين يحمِّل الجيش مسؤولية مباشرة عن اندلاع الحرب الراهنة، وعن تواطئه مع القوى التي أشعلتها أو استفادت منها، فإن المفارقة الماثلة اليوم هي أن كثيرين من هؤلاء أنفسهم يعلنون دعمهم للمؤسسة العسكرية في المعركة ذاتها.
هذه الحالة المعقدة لا يمكن اختزالها في ازدواجية أو نفاق، بل تعبّر عن أزمة أعمق في الوعي الجمعي والسياسي، وعن صراع داخلي بين *الخوف من الفوضى والرفض لمنظومة الهيمنة القديمة.*
*الجيش الوطني المهني*
الجيش الوطني المهني هو أداة الدولة لحماية أمنها، لا أداة فئة لحماية مصالحها.
يتبع للدولة، وليس لحزب أو قبيلة أو طائفة، ويقوم على مبادئ أساسية أهمها: الولاء للدستور والوطن، الاحتراف والحياد السياسي، الخضوع للسلطة المدنية المنتخبة، المهنية في الأداء والانضباط، وحماية السيادة الوطنية والدفاع عن حدود البلاد.
*الجيش ليس “رمزًا مطلقًا للوطنية”*
تقديس الجيش أو اعتباره “رمزًا مطلقًا للوطنية” هو من خصائص الأنظمة السلطوية التي تستخدم المؤسسة العسكرية لحماية النظام لا الدولة.
الجيش ليس كيانًا مقدسًا أو فوق المساءلة، بل هو جهاز سيادي بالمعنى الإداري (أي من مؤسسات الدولة الأساسية كالقضاء والخارجية والمالية)، لكنه ليس فوق الشعب أو الدستور.
في النظام الديمقراطي، *السيادة للشعب*، والجيش أحد أدواته. فإذا فشل في أداء مهامه أو انحرف عن غايته، يحق للشعب عبر مؤسساته المدنية إصلاحه أو حله وإعادة بنائه.
هناك تجارب تاريخية لجيوش تم تفكيكها أو إعادة بنائها، مثل ألمانيا واليابان ورواندا وجنوب أفريقيا.
وفي السياق السوداني، طالب ثوار ديسمبر *بـ جيش وطني مهني واحد*، عقيدته حماية الدستور والشعب لا حماية السلطة، كأحد شروط الانتقال الديمقراطي.
*بين الخوف والذاكرة*
يعيش السودانيون منذ أكثر من ستة عقود في ظل أنظمة عسكرية متعاقبة جعلت الجيش رمزًا متجذرًا في الوجدان الوطني.
ومع انهيار مؤسسات الدولة إثر الحرب، لم يعد أمام الناس سوى الجيش بوصفه “الكيان الأخير” المتبقي.
الخوف من تفكك البلاد وانهيار ما تبقى من مؤسساتها يدفع قطاعات واسعة إلى الاصطفاف خلفه، حتى وإن كانت تدرك أنه جزء من المشكلة لا الحل.
إنه *الخوف من المجهول أكثر من الإيمان بالمؤسسة.*
*تكتيك لا قناعة*
كثير من الأصوات التي ترفع شعار “الجيش ولا المليشيا” تفعل ذلك من منطلق تكتيكي أو عاطفي لا مبدئي.
فالمؤسسة العسكرية تُرى كـ “أهون الشرّين”، لا كقوة إصلاح أو حماية حقيقية.
هذا ما يجعل الدعم الحالي هشًّا ومؤقتًا، لأنه *لا يقوم على ثقة سياسية بل على ردّ فعل نفسي تجاه العنف والدمار والانفلات.*
*قصر النظر والمصالح*
يختلط في هذا المشهد وعي قصير المدى برغبة آنية في الأمان.
يظن البعض أن دعم الجيش اليوم لا يتعارض مع المطالبة بإصلاحه غدًا، متناسيين أن انتصاره العسكري يعني بالضرورة إعادة إنتاج سلطته السياسية.
إلى جانب ذلك، توجد فئات تدعم الجيش بدافع *المصلحة المباشرة* — من مستفيدين من الاقتصاد العسكري، أو من نخب تخشى المساءلة أو خسارة النفوذ إن انتصر البديل المدني.
*بين الرمزية والواقع*
الجيش في الوعي السوداني ما يزال يمثل رمز الدولة ووحدة التراب، لكن الواقع يقول إن هذه المؤسسة تحوّلت بفعل الانقلابات وتغوّل المصالح إلى *فاعل سياسي واقتصادي* يهدد الدولة نفسها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الناس يدافعون عن “الرمز الوطني” بينما الرمز ذاته فقد وظيفته الوطنية.
*نحو وعي جديد*
ما نعيشه اليوم ليس مجرد ازدواج في المعايير، بل انعكاس لأزمة أعمق في مفهوم الدولة والمواطنة.
فحين يُختزل الوطن في الجيش، وتُختزل الدولة في السلاح، تصبح الحرب نفسها أداة للحفاظ على الوهم.
السؤال إذًا لا ينبغي أن يكون: هل ندعم الجيش؟ *بل: كيف نبني جيشًا جديدًا يستحق أن يُدعم؟*



