الأعمدة

عودة الجنجويدي النور القِبّة إلى حضن البرهان وانتشار قواته بأم درمان في عز سيلان دماء الشهداء: هل هي محمَدة أم بركان؟

#مهيد شبارقة
في مشهد لا يخلو من مفارقة مؤلمة تتقاطع فيه السياسة مع الدم وتتصادم فيه حسابات الحرب مع تطلعات الشعب برزت إلى السطح عودة القائد الميداني النور احمد ادم المعروف /#بـالنور القِبّة” إلى معسكر الجيش بقيادة الفريق البرهان بالتزامن مع انتشار قواته في مدينة أم درمان إحدى أكثر المدن السودانية اكتواءً بنيران الحرب.
هذه العودة التي قد يراها البعض تحوّلا تكتيكياً في موازين الصراع يراها آخرون مؤشراً مقلقاً على إعادة تدوير الفاعلين في دوامة العنف دون مساءلة قانونية أو مراجعة حقيقية.
اولا:#بين البراغماتية العسكرية وإشكالات الشرعية:
لا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن السياق العسكري الضاغط الذي يعيشه الجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تعد مجرد صراع على السلطة بل تحوّلت إلى /#معركة بقاء بالنسبة لكلا الطرفين مما دفع القيادة العسكرية إلى تبني خيارات براغماتية حتى وإن كانت مثيرة للجدل.
وفي هذا الإطار تبدو عودة النور القِبّة وهو شخصية ارتبط اسمها سابقاً بتشكيلات ذات طابع شبه عسكري – جزءاً من استراتيجية تجميع القوى لمواجهة خصم شرس يمتلك بدوره بنية مليشياوية معقدة.
لكن هذه البراغماتية تصطدم بسؤال جوهري: #هل يمكن بناء دولة ما بعد الحرب بنفس الأدوات التي ساهمت في تفكيكها؟
ثانيا #أم درمان.مسرح الرسائل المتضادة:
انتشار قوات النور القِبّة في أم درمان ليس مجرد تحرك عسكري بل يحمل في طياته رسائل متعددة الاتجاهات.
فمن جهة هي محاولة لإعادة فرض السيطرة الأمنية على مناطق شهدت انفلاتاً واسعاً
ومن جهة أخرى يثير مخاوف السكان من عسكرة المدينة بشكل أكبر خاصة مع تعدد مراكز القوة وتباين الولاءات.
فأم درمان التي ظلت رمزاً للتاريخ الوطني والتماسك الاجتماعي تحولت اليوم إلى ساحة اختبار لنوايا الأطراف المتحاربة: #فهل الهدف هو استعادة الدولة أم إعادة إنتاج الفوضى بأدوات مختلفة؟
ثالثا:#ذاكرة الدم ومأزق الغفران:
الشارع السوداني الذي لم يجف بعد من دماء ضحاياه يتعامل بحساسية بالغة مع أي خطوة تفهم على أنها /#تبييض لصفحات متورطين في العنف /فغياب العدالة الانتقالية و/تأجيل ملفات المحاسبة يفتح الباب أمام عودة شخصيات مثيرة للجدل دون تقديم إجابات واضحة حول دورها في الانتهاكات السابقة.
وهنا يبرز التحدي الأخلاقي:
#هل يمكن تحقيق السلام عبر استيعاب جميع الأطراف أم أن ذلك يعد خيانة لدماء الشهداء؟
#وهل المصالحة الوطنية تسبق العدالة أم العكس؟
#هل هي محمَدة أم بركان مؤجل؟
الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة بل تتوقف على مسار الأحداث في الأسابيع والأشهر القادمة.
إذا نجحت هذه الخطوة في تقليص رقعة القتال وفرض قدر من الاستقرار فقد تُحسب ضمن /#الضرورات العسكرية” التي تفرضها لحظات الانهيار.
#أما إذا تحولت إلى مدخل لتكريس سلطة المليشيات داخل بنية الدولة فإنها قد تكون شرارة لبركان جديد يؤجل الانفجار ولا يمنعه.
رابعا: #نحو رؤية تتجاوز اللحظة
ما يحتاجه السودان اليوم ليس فقط كسب معارك ميدانية بل كسب معركة بناء الدولة. وهذا يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى شبه النظامية ووضع أسس واضحة للدمج أو التسريح وفق معايير مهنية وقانونية لا وفق موازين القوة اللحظية.
كما أن أي تسوية مستقبلية يجب أن تضع العدالة في قلبها لا على هامشها وأن تنصت لصوت الضحايا لا أن تتجاوزه باسم الواقعية السياسية.
#خاتمة
عودة النور القِبّة إلى حضن البرهان قد تبدو للبعض خطوة إلى الأمام في معركة معقدة لكنها في نظر آخرين خطوة إلى الخلف في مسار بناء الدولة وبين هذا وذاك يبقى السؤال مفتوحاً:
#هل يتعلم السودان من دروسه القاسية أم يواصل الدوران في حلقة مفرغة من إعادة إنتاج الأزمات؟
في ظل سيلان الدم لا يكفي أن نبحث عن انتصار عسكري بل يجب أن نسأل:
#أي سودان نريد بعد أن تسكت المدافع؟

زر الذهاب إلى الأعلى