بقلم: صلاح عثمان
دعوة أدبية لاستفزاز الوعي وتحرير الوطن من سطوة السلاح
هل جرّبنا الحرب بما يكفي؟
لقد جرّبنا، بالمشاهدة والمتابعة اللصيقة، جنون القتال.
إسرافٌ في سفك الدماء، بلا هوادة، بلا توقف، بلا خجل.
فهل آن الأوان أن نجرّب نقيضه؟
أن نجرّب حلاوة الإيمان بالسلام؟
أن نعيش في سلام، لا كترفٍ سياسي، بل كعقيدةٍ باطنيةٍ تسبح فيها أرواحنا؟
من العشق إلى الإيمان
لسنا بحاجة إلى التغنّي بفضيلة السلام.
نحن بحاجة إلى تجاوز حدّ العشق، إلى الإيمان المطلق.
إيمانٌ يجعل العقل الباطني يسبّح بالسلام،
وينزع فتيل الانتقام من جذوره.
مصحات السلام
الحل يبدأ من الداخل.
• السودان بحاجة إلى أن يصبح أرضًا منزوعة السلاح.
• السودان بحاجة إلى علاجٍ نفسيٍّ جماعيٍّ لكل من حمل السلاح.
• السودان بحاجة إلى إدخال أباطرة الحرب عنوةً إلى مصحات السلام،
ولا يخرجون منها إلا حين يتوفاهم الله.
ثم نتجه إلى كل من تسوّل له نفسه أن ينتقم.
نقول له: لن تخرق الأرض، ولن تبلغ الجبال طولًا.
استفزاز طبيعي
من هذه القراءة، ستنطلق أصواتٌ تدعو للانتقام.
وهذا طبيعي.
لأن مرض الانتقام استفحل، ويزيد مع أيام الحرب.
هناك جرأةٌ على سفك الدماء،
لكن لا بد من جرأةٍ مضادة:
جرأة على الحياة.
هل نعيد كتابة النشيد؟
هل من عودةٍ لمحو فقرة “نتحدى الموت” من النشيد الوطني؟
كما غيّرنا علم الاستقلال،
أليس من الأولى أن نغيّر عقيدة الموت إلى عقيدة الحياة؟
الحياة حلوة،
ينطلق فيها محيّاك بالابتسام بدلًا من التجهم،
وتُبطئ فيها خطاك نحو من يحشد الناس لسعير الحرب،
وتُسرع نحو من يحفظهم من هذا الجنون.
السودان في ثوبٍ قشيب
قال الشاعر ابن الخيمي:
تجلّى عليك فتستحلي غرائبها
أفكارُ ذي الفضل في أثوابها القُشُب
فهل نجرّب أن نلبس السودان ثوبًا جديدًا؟
ثوبًا لا يُخاط بالخنادق، بل بالحوار؟
ثوبًا لا يُطرّز بالرصاص، بل بالأمل؟
تجربة “ثندربيرد”: كيف نُعيد بناء السودان؟
في أكتوبر ونوفمبر 2000، حضرتُ دورةً تدريبية نظمها الاتحاد الدولي للاتصالات في ولاية أريزونا، على أرض “ثندربيرد” المجهزة لإحداث فرق في عالمٍ مضطرب.
كان الهدف: تحفيز الحوار، وتوليد طرق تفكير جديدة.
• خمسون مشاركًا من مختلف دول العالم
• تقسيم يومي إلى عشر مجموعات
• كل مجموعة تتناول شقًا من البحث
• نهاية كل يوم: استعراض جماعي للنتائج
• نهاية الدورة: كل مشارك قاد فريقًا، وتفاعل مع الجميع
كيف نستفيد من هذا النموذج؟
إذا تهيّأ للقائمين على إدارة الدولة أن يبسطوا روح العمل الجماعي،
وأن تُتخذ القرارات بعد دراسةٍ مستفيضة،
لا أن تُترك لأحدهم فيُسرف في تضخيم ذاته،
حينها نمتلك رؤيةً ثاقبةً أمام التحديات،
ونخرج بنتائج شارك فيها الجميع.
دعوة مفتوحة
هذا المقال ليس خاتمة.
إنه بدايةٌ لرؤيةٍ تفاعلية،
تتيح للأدب أن يطرح الحل،
وتدعو القارئ أن يُضيف، أن يُجادل، أن يُشارك.
من يجرؤ على السلام؟
من يكتب نشيد الحياة؟
من يفتح أول مصحةٍ للسلام في قلب الخرطوم؟
السودان لا يحتاج إلى مزيد من البنادق، بل إلى مزيد من الخيال.
فلنكتب معًا نشيدًا جديدًا،
نشيدًا لا يُتلى في ساحات القتال،
بل يُغنّى في ساحات الحياة.



