#روما، رضوان علي الحسن
أكتب هذه السطور وأنا أتأمل صورة كبيرة معلقة في مكتبي: صورة لكأس العالم الذهبي، تتقاطع خلفيتها بظلال خفيفة لخرائط سياسية وأعلام دول. إنها ليست مجرد زينة، بل هي تذكير دائم بالعلاقة العضوية التي نشأت بين أجمل رياضة في العالم وتقلبات السياسة الدولية.
وفكرة “فصل الرياضة عن السياسة” التي نرددها كشعار مثالي، تتهاوى عند بوابة المونديال. البطولة الأكبر لم تعد حدثاً رياضياً خالصاً، بل تحولت إلى محفل دولي تعكس أضواءه، بلا رحمة، كل التوترات الخفية والصراعات المعلنة. نحن لا نشاهد مباريات فحسب، بل نشهد عالماً مصغراً يتحرك على إيقاع الكرة.
وتذكرون معي مونديال المكسيك 1986. كانت الغارة الأمريكية على ليبيا لا تزال صدىً في الأجواء، لتنفجر بعدها المواجهة الأكثر حِملًا بالتاريخ في الربع النهائي: الأرجنتين ضد إنجلترا. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم. لقد كانت حرب فوكلاند تستعيد صداها عبر المرانيات، وكان مارادونا يترجم أحلام انتقام شعبي إلى هدفين خالدين: الأول بيده والثاني بقدمه. هنا، تحول اللاعب إلى رمز قومي، والمباراة إلى فصل من فصول الصراع الوطني.
وقبل سنوات من مونديال إيطاليا 1990، سقط جدار برلين. وشهد العالم، عبر الشاشات، آخر ظهور لألمانيا الغربية كدولة منفصلة وهي تحتضن الكأس. كان المشهد استعارة قوية عن نهاية عصر وبداية آخر، وكأن الكرة كانت تشهد على التحولات الجيوسياسية الكبرى وتودع أحد أبطال الحرب الباردة.
وثم جاءت الولايات المتحدة في 1994 لتحاول استعمار العالم بلعبة كانت غريبة عن ثقافتها. نجحت في التسويق، وفشلت في عزل البطولة عن سياساتها. فبينما كان العالم يحتفل بفن البرازيل، كانت القوات الأمريكية تتجه إلى هايتي وتتحرش بحدود العراق. كانت الرسالة واضحة: السياسة لا تأخذ إجازة، حتى أثناء المونديال.
ولكن اللحظة الأكثر وضوحاً في ذاكرتي الجمعية هي استضافة روسيا للبطولة في 2018. جلستُ أمام الشاشة وأنا أرى الرئيس بوتين يستقبل قادة العالم في المدرجات، بابتسامة منتصر، بينما كانت صور ضم القرم قبل سنوات قليلة لا تزال حية في الأذهان. لقد استخدمت الكرة، بمهارة استثنائية، كأداة لتنظيف الصورة وإعادة كتابة السردية. كان درساً بليغاً في كيف يمكن للمونديال أن يصبح أداة سياسية فاعلة، قبل أن تعود السياسة بقوة فتطرد روسيا من تصفيات 2022 عقب غزو أوكرانيا.
واليوم، ونحن نتحدث عن مونديال 2026، يطفو على السطح نفس السؤال القديم المتجدد: هل ستكون نسخة الاحتفال بتعاون ثلاثي قاري، أم ساحة لتصعيد المقاطعات والاحتجاجات في وجه السياسات الأمريكية؟ التاريخ يُعلّمنا أن البطولة لا تعيش في فراغ. إنها تستعير هدوئها من هدوء العالم، وتستقبل عواصفه حين تهب.من خطف الرئيس الفنزويلي وتهديد باحتلال وضم جزيرة غرينلاند واطماع الرئيس الأمريكي ترامب التي لا تنتهي.
والخلاصة التي أصل إليها، بعد سنوات من المتابعة، هي أن جمال كأس العالم يكمن أيضاً في هذه التعقيدات. إنها ليست لعبة فقط، بل هي سردية إنسانية شاملة، تتداخل فيها الفرحة الرياضية بالألم السياسي، والأحلام الفردية بالصراعات الجماعية. ربما يكون الفصل مستحيلاً، لأن المونديال هو، في نهاية المطاف، مرآة نرى فيها أنفسنا كما نحن: بشرٌ يحلمون بالكرة، ويعيشون واقعاً أعقد بكثير من مستطيل أخضر.



