المنوعات

كتاب “الحروب الأهلية في السودان والموقف الإقليمي والدولي”

سالي عبد الله دويح
يقدم كتاب “الحروب الأهلية في السودان والموقف الإقليمي والدولي” تأليف سالي عبدالله محمد، والصادر عن الناشر العربي للنشر والتوزيع، دراسة معمقة للصراعات السودانية خلال نصف القرن الممتد من 1955 إلى 2005. لا يقتصر العمل على سرد الأحداث التاريخية فحسب، بل يحلل بعناية العوامل الداخلية والخارجية التي شكلت هذه الصراعات الطويلة، مما يجعله مرجعًا أكاديمياً مهماً لفهم تعقيدات المشهد السوداني.
🧠الإطار النظري والمنهجي للكتاب
اعتمدت الدراسة على منهج وصفي تحليلي مدعوم بالمنهج التاريخي، حيث عملت الباحثة على جمع المعلومات من مجموعة متنوعة من المصادر والوثائق في محاولة لتجاوز تحيز الكثير من الكتابات السابقة. وقد شملت هذه المصادر أرشيف الصحف والدوريات، والتقارير الدولية مثل تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، بالإضافة إلى وثائق بريطانية غير منشورة وتسجيلات مسربة للرئيس عمر البشير . سعى هذا الجمع إلى تقديم رؤية متوازنة بعيدًا عن الروايات الأحادية، سواء تلك التي تلقى باللوم كاملًا على الإرث الاستعماري أو تلك التي تركز فقط على هيمنة الثقافة العربية .
✒️التحليل التاريخي والسياسي للحروب الأهلية
يحدد الكتاب أن الحروب في السودان تنتمي إلى نمط معقد يصعب تصنيفه تحت سبب واحد؛ فهي ليست حربًا دينية أو اجتماعية أو سياسية بحتة، بل هي مزيج من جميع هذه العوامل . ويبرز التحليل عدة محاور رئيسية:
· الإرث الاستعماري وهشاشة الدولة: يشير الكتاب إلى أن السياسات الاستعمارية ساهمت في تأجيج الصراع بين شمال السودان وجنوبه، مما خلق إرثًا من التهميش وعدم الثقة استمر بعد الاستقلال .
· فشل النخب والحكومات المركزية: تؤكد الدراسة أن النخب السودانية المتعاقبة لم تقدم حلولاً جذرية قادرة على معالجة جذور الأزمة، مما أدى إلى استمرار وتجدد الحروب. ويقدم الكتاب أمثلة على أدوار شخصيات سياسية باركة مثل الصادق المهدي وعمر البشير وتأثير سياساتهم في تعقيد الصراع .
· الموقف الإقليمي والدولي: يكشف التحليل أن الحروب الأهلية في السودان لم تكن شأنًا داخليًا محضًا، بل كانت ساحة للصراعات الإقليمية والدولية. فقد حظيت الحركات المتمردة مثل “حركة أنيانيا” و”الحركة الشعبية لتحرير السودان” بدعم من دول الجوار مثل أوغندا وإثيوبيا وإريتريا وتشاد، بينما تلقت الحكومة السودانية الدعم من دول عربية مثل مصر وليبيا والعراق . كما يتتبع الكتاب تحول مواقف القوى الدولية؛ فبريطانيا والولايات المتحدة قدمتا الدعم في فترات مختلفة لأطراف متعارضة، مما كان له أثر بالغ في استمرار الصراع وتوجيه نتائجه .
· الدور الإسرائيلي: تذكر الدراسة أن إسرائيل عملت على إضعاف الدولة السودانية ودعمت حركات التمرد في الجنوب، في إطار استراتيجية لتحقيق مصالحها الإقليمية .
· العامل الاقتصادي: النفط كهدف استراتيجي: يسلط الكتاب الضوء على دور الموارد الطبيعية، وخاصة النفط، كعامل محوري في استمرار الصراع. فقد استهدفت الحركة الشعبية لتحرير السودان مناطق إنتاج النفط بهدف استنزاف مصادر الحكومة المركزية، وهو ما أجبر الأخيرة في النهاية على الدخول في مفاوضات جدية انتهت بتوقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005 .
📖الخاتمة والاستنتاجات الرئيسية
يخلص الكتاب إلى أن الحروب الأهلية في السودان كانت في جوهرها حربًا لإعادة تقسيم الدولة السودانية ذاتها . وقد أدى تطور الصراع وامتداده إلى مناطق متعددة إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية للسودان بشكل غير مسبوق، وهو ما تجلى لاحقًا في انفصال الجنوب. كما تؤكد الدراسة أن العوامل الإقليمية والدولية كانت مؤثرة بشكل مباشر في إطالة أمد الحرب، حيث تحول السودان إلى ساحة لصراعات بالوكالة وحروب موارد، ساهمت الأخطاء السياسية للنخب الحاكمة في تدويلها .
تقييم عام للكتاب
يمثل هذا الكتاب إضافة نوعية للأدبيات العربية التي تناولت الصراع في السودان، حيث حاولت مؤلفته تقديم رؤية متوازنة معتمدة على مصادر متنوعة. لا يقدم الكتاب تحليلًا تاريخيًا فحسب، بل يضع إطارًا تحليليًا لفهم تداخل العوامل الداخلية مع الديناميكيات الإقليمية والدولية الأوسع.

زر الذهاب إلى الأعلى