الأعمدة

أزمةُ الوعي في السودان… من المهدية إلى اليوم: عاطفةٌ صنعت الزعماء وكسرت الدولة!!

✍️محمد الفاتح حضرة
🧐 إذا أردنا ان نتأمل في تأريخ وأسباب أزمة الوعي في السودان، فإننا لن نقف عند لحظةٍ قريبة ولا عند جيلٍ من الأجيال، بل عند تاريخٍ ممتدّ يبدأ منذ عهد الدولة المهدية ، حين ظهر رجلٌ (عربي) في بعض أنحاء دارفور يُدعى/ محمد أحمد متشبثًا بنبوءة نبوية عن ظهور المهدي في آخر الزمان قبيل نزول سيدنا عيسي..
🤔من هو المهدي ؟
المهدي جاءت به أحاديث كثيرة عن النبي صلي الله عليه وسلم ، وصنف فيه بعض العلماء مصنفات، وذكر أنها متواترة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهي فيها الصحيح، وفيها الحسن، وفيها الضعيف، وفيها الموضوع، لكن الحجة في الأحاديث الصحيحة، والحسنة، وقد ثبت عنه ﷺ ما يدل على أنه يكون شخص يقال له: المهدي في آخر الزمان، يواطئ اسمه اسم النبي ﷺ واسم أبيه اسم أبي النبي ﷺ يعني: محمد بن عبد الله، اسمه محمد بن عبد الله وهو من أهل بيته عليه الصلاة والسلام.
في الجزيرة (أبا) حيث يوجد كان يتواجد وقتها محمد احمد، جاء إليه بعض اهل دارفور وفيهم رجل إسمه: عبدالله بن محمدتورشين والذي بادر محمد احمد بأن قال له :
إنك مهدي الله الذي ينتظره المسلمون ، وانا وزيرك !!!
فصَدّقه محمد أحمد ،ثم مالبث ان أطلق دعوته الي الجهاد ضد الحكم التركي المصري، فأحتشد حوله نفر كبير من اهل السودان!!
وهكذا صنع الناس من محمداحمد أسطورة ذلك “المُخَلِّص” المُؤَيَّد من السماء ، فصار الناس يتوافدون إليه طارحين انفسهم جنودا (جهادية) في خدمته .
🧭ومنذ تلك اللحظة تشكّل أول اختلالٍ في بنية العقل السوداني: عقل يميل إلى صناعة الرموز قبل صناعة الدولة، والولاء للأشخاص قبل المبادئ!!
🤷رغم ان الايام أثبتت عدم صحة مهدوية محمد أحمد السوداني ، ولكن لازال كثيرٌ من أهل السودان حتي اليوم يمجّدون المهدي، ويُدَرِّسون سيرته للأجيال في المناهج المدرسية بإسم(المهدي) في سياق وسيرة رجلٍ يجب الإحتفاء به ، رغم أن التاريخ أثبت انه ليس بالمهدي المنتظر ، مثل ما انه في إعتقادي لم يقدم لاهل السودان مشروعًا وطنياً متكاملًا ولم يملك رؤية لبناء الدولة السودانية الحديثة سوي أنه المهدي.
لم يعيش ذلك الرجل طويلاً ولم ينجز في حياته ما كان يجب علي مهدي الله تحقيقه قبيل قيام الساعة ..
🤷ولكن رغم كل ذلك لازال ذلكم الرجل عند اهل السودان هو (المهدي) الذي يجب الإحتفاء به وتمجيده هو وآل بيته ، بل إن حزب الأمة ، وهو أحد أكبر وأبكر الاحزاب السياسية السودانية قد بني قاعدته الشعبية إستناداً الي أنصار ذلكم المهدي !!
🔁وعلى الضفة الأخرى من فضاءات العمل السياسي في السودان ، تقف طائفة الختمية بزعامة آل بيت السيد علي الميرغني، والذين هم كذلك لم تنشأ مكانتهم السياسية بسبب مشروعٍ تنموي أو رؤية دولة، بل بسبب الرواية بأنهم ؛ من آل بيت النبي ﷺ، فبُنِي عليهم حزبٌ كامل هو الوطني الاتحادي… ووُهِبت لهم ولاءات ضخمة… وتحوّل آل الميرغني إلى “زعماء مقدّسين” لا ينبغي نقدهم ولا مساءلتهم!!
🧐🧭🤷وهكذا تشكّلت الطائفية السودانية عبر تاريخها:
ولاءٌ يُبنى على النسب والبركة… لا على الكفاءة ولا على المشروع الوطني!!
📿 السودانيون متدينون بطبعهم، وأكثر الشعب السوداني تجده من المتصوّفة او محباً لهم ..
إن أهل التصوف هم أبعد الناس عن التنافس على الدنيا وعلي السلطة. كانوا أهل ذكر وعلم وتربية، يخدمون الناس ويبنون المساجد والخلاوي، ولا يتزاحمون على الحكم ولا الوزارات.
🤷لعل الساسة في زمان الاستعمار وعند تحديد مصير إستقلال السودان عن مصر ..كانوا هم الذين أقحموا بعض شيوخ الدين والطرق الصوفية في السياسة ، ثم من بعد ذلك جرَّوهم جرًّا الي شئون الحكم والدولة ، وذلك من أجل الأصوات واستغلالًا لعاطفة الناس!!
ومن يعرف السودان يعرف بالتأكيد الشيخ الياقوت زول جبل الاولياء ، ويعرف الشيخ البرعي زول كردفان ، والشيخ زين العابدين الحسن السماني زول شمبات وإخوته الشيخ البشير والشيخ أحمدالصديق التجاني..
وأثناء هذه الحرب ، قد عرفنا جميعاً الشيخ الأمين عمر الامين..
🫵هؤلاء وغيرهم من الصالحين الذين لم يدخلوا دهاليز السياسة ، بل أوقفوا أنفسهم و أولادهم وأموالهم لخدمة الناس ونشر علوم القرآن..هؤلاء هم ساداتنا نحترمهم ونحبهم🤗🫂💖
😈ثم جاءت الطائفية السودانية في نسختتها الأكثر خطورة:
🔥 طائفية الإسلام السياسي المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين !!!
إن الكيانات المسماة بـ : الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني والتيار الإسلامي العريض، هؤلاء كانوا نخبةً من المتعلمين والمثقفين ورجال الدين ويمثلون الثوب الحديث للطائفية القديمة .
استبدلوا الولاء للبركة بولاءٍ “أخوي”، و أستبدلوا ولاء النسب وعصبية القبيلة بالولاء للتنظيم، وصنعوا لأنفسهم هالة دينية وصكوك غفران تُمرّر عبرها كل الانتهاكات !!
لاحظنا كيف قد ظهرت لشيوخهم فتاوى — أثناء هذه الحرب — تُحرِّم وقف الحرب العبثية ، فتاوي تحلّل الدم الحرام ، فتاوي تقول بخطأ إبرام الصلح مع الأعداء و تقدح في صلح الحديبية !!!فتاوي تخالف قواعد الشريعة ومقاصد الإسلام وكلياته الخمس .
فتاوى لتحقيق أجندات سياسية… لا علاقة لها بالله ولا بالدين !!
📌💢👺🛂💣
🤦ثم جاءت الطامَّة حين تَخَلَّق شكلٌ جديد من الطائفية في جسد الدولة:
🔻 إنها الطائفية العسكرية والأمنية!!!
العسكر ، يؤمنون بإنه يجب تمجيدهم وتكريمهم فقط لأجل أنهم عسكر !!!
إنه نوع آخر من الطائفية السودانية العجيبة!!!
طائفية العسكر ، كان قد صنعها المستعمر الانجليزي ، ثم ورثها عنهم من بعد الإستقلال العسكر السودانيين و الذين ظلوا منذ ذلك التأريخ في إستعلاء مستمر يجلبون المزيد من التمييز لأنفسهم ولأتباعهم !!
العسكري في السودان ، كائن فوق القانون ، لا يلتزم بالنظام ، بل يتجاوز الطوابير…
العسكري السوداني يحصل على الوقود والعلاج والسكن والنقل.. مجانًا !!
يكفي القول بأن %80 من ميزانية السودان تذهب الي العسكر !!!
بينما المدارس تتساقط، والخدمات تنهار، والمواطن البسيط يُسحق !!
🤷ومع كل هذه الأجور الشهرية والمخصصات والامتيازات… فشل عساكر الجيش وقادته في حماية المدنيين،فشلوا في حماية الأرض ، وفشلوا في منع الانفصال وتقسيم السودان ، وفشلوا في منع مجازر شباب الثورة والإغتصابات التي جري ارتكابها داخل ساحة القيادة العامة للجيش عبر أدواته التي صنعها هو بيديه: الجنجويد والدعم السريع !!😡
ورغم كل هذا الخزي والفشل في أداء الواجب ، ظلّ الوعي الجمعي للشعب السوداني يُمجّد العسكر ولا يحاسبهم… ولا يحاكمهم حتي وإن تسببوا في موت ثلثي الشعب السوداني !! 🤨🙄
⚡ شباب الثورة: أول من كسر الطوق !!
كان شباب ثورة ديسمبر هم أول من تمرد على هذا الإرث كله — الطائفي والديني والعسكري.
إنه جيلٌ من الشباب قرر أن يفتح عينيه، وأن يكسر أصنام السياسة والطوائف، وأن يرفض القداسة المصنوعة من خيوط الوهم .
🤦ولكن.. حين شعرت تلكم الطوائف والأحزاب الانتهازية، والحركات الدارفورية المسلحة، ومعهم الأجهزة العسكرية والأمنية ، بأن هذا الوعي الشبابي سيُقَوِّض ملكهم… تكالب هؤلاء جميعاً على شباب الثورة لأجل القضاء عليهم ..
بدأ القنص…
بدأ الاغتيال…
بدأت التصفية…
سقط عبدالعظيم…محجوب … عباس فرح…كشة… قصي… مطر… أحمد الخير…ست النفور… وغيرهم من كواكب السودان 🩸😓
كانوا يريدون قتل الوعي وقتل الثورة … لا قتل الجسد فقط وإزهاق الروح .
🌟 ولكن… الوعي لا يموت طالما شرارته لا زالت متقدة تحت رماد خراب العسكر !!
في قلب أتون الحرب العبثية وأثناء القصف والتدوين العشوائي للأحياء السكنية ، خرج شبابٌ آخرون — من لجان المقاومة والخدمات — يخاطرون بأنفسهم لإحضار الماء الي الناس ، وإصلاح الكهرباء، وإيصال الغذاء والدواء تحت القصف المباشر.
بينما الدولة غائبة عن خدمة الشعب منذ إندلاع الحرب والي يومنا هذا !! 😓
هؤلاء الشباب.. هم امتدادٌ لشعلة الثورة… امتدادٌ للنور الذي حاول أطراف الحرب إطفائه ، فأبي الله إلا ان يتمّ نوره .
🔥 شعلة تستقطب الأحرار من كل المعسكرات!!
هذه الشعلة نفسها باتت اليوم تستقطب قادةً من الأحزاب القديمة، ومن الطوائف، ومن الإسلاميين أنفسهم، ومن آل المهدي وآل الميرغني، بل ومن ضباطٍ متقاعدين من الجيش والشرطة والأمن والقضاء…
لقد بدأ الوعي يتشكل أخيرًا، بعد عقودٍ من الغيبوبة!!
🔻 وعد الله للمظلومين… ونهاية الظالمين!!
كل أولائك الذين كانوا قد تآمروا و تكالبوا على قتل شباب الثورة ، هاهم يتقاتلون فيما بينهم منذ ثلاث سنوات في صراع لا علاقة له بالدين ولا بالوطنية …
سلاحهم ، قد ارتدّ عليهم…
أموالهم المسروقة تحترق بأيديهم…
ومشاريعهم الخبيثة تتهاوى أمامهم واحداً تلو الآخر…
لحكمة يعلمها الله ، إنّ تاريخ السودان يكتب الآن بدماء الضحايا والابرياء مختلطة بدماء الجلَّادين والمجرمين؛
قال الله تعالي للمظلوم:
«وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين»
الدعاء علي الكيزان والعسكر الظالمين الضآلين يرتفع كل يوم الي عنان السماء ..
نور الشهداء يكبر…
وعي السودان يتمدّد…
والطغاة ينهارون ، بعضهم فوق بعض !!
🌟 الخاتمة:
شعلة الأمل التي يحملها الشرفاء!!
في خضم هذا الظلام، نهض رجالٌ ونساء وطنيون شجعان من الجيل الجديد والجيل الوسيط، تخلّصوا من الطائفية القديمة ومن إرث التبعية، وقرروا الاصطفاف مع الشعب لا مع الزعماء.
وعلى رأسهم:
عبدالله حمدوك، خالد عمر (سلك)، بابكر فيصل، شريف عثمان…
ومعهم آخرون من الشرفاء الوطنيين.
هؤلاء ..هم الذين حملوا شعلة الضو̈ء التي كان قد أشعلها شهداء ثورة ديسمبر ، وهم اليوم يمضون بها في كل اتجاه، يجذبون إليها المزيد من الأحرار كل يوم، ويفتحون طريقًا جديدًا لميلاد وطنٍ يقوم على العقل، وعلى دولةٍ تُبنى بالعمل والتخطيط الإستراتيجي لا ببركة الهتاف ، وبالكفاءة لا بالنسب او الولاء ، وبالشرع الحقّ، لا بالفتاوى السياسية مدفوعة الثمن …
وهذه الشعلة — بإذن الله — ستصبح قريبًا نورًا يعمّ السودان

زر الذهاب إلى الأعلى