الأعمدة

ملامح السودان الجديد ما بعد وقف إطلاق النار!

مرحلة بناء الدولة السودانية الحديثة ، وتحوّلات الوعيّ ، وميلاد التحالف المدني–الشعبي العريض

✍️ محمد الفاتح حضرة
لقد كشف العامان الماضيان حقيقةً مريرة ، وهي أنّ الحرب في السودان لم تكن نزاعاً سياسيّاً عابراً ، ولا مواجهة قبلية، ولا صراعاً سياسياً حول شكل السلطة فحسب؛ بل كانت — في أصلها وحقيقتها — معركةً مباشرة على الموارد والثروة، وعلى اقتصادٍ تحوّل إلى دولة موازية داخل الدولة!! 🤨🔥
ولذلك، فإنّ المرحلة التي ستأتي بعد وقف إطلاق النار بإذن الله ومشيئته لن تُبنى بالشعارات، ولن يحرسها الخطاب العاطفي، بل سيحكمها ميزان المصالح، ووعيٌ جديد، وقدرةٌ على قراءة العالم كما هو، لا كما نشتهى .
🔹 أولاً: إعادة تعريف دور القوى المدنية والشباب!!
إنّ شباب ثورة ديسمبر المجيدة، رغم نقاء قلوبهم وصدق حلمهم، لن يستطيعوا وحدهم أن يقودوا مرحلة بناء الدولة السودانية .
ففي هذه المرحلة الحسّاسة يحتاجون بشدة إلى الانفتاح والتعاون مع القوى المدنية والسياسية الوطنية الشريفة، ومع القيادات التي تراكمت لديها الخبرة في الإدارة والتفاوض وبناء المؤسسات.
الحكمة والخبرة مطلوبة مثلما هو مطلوب الحماس والإيمان.
وهنا تبرز أهمية وجود شخصياتٍ مثل:
د. عبدالله حمدوك، خالد عمر سلك، بابكر فيصل، عمر الدقير، ومحمد الفكي.
فهؤلاء يمثلون عقل إدارة دولة، لا عقل إدارة شارع فقط !!
ويمثلون جسرًا بين الثورة والدولة، وبين idealism الشباب وواقعية الحكم!!
كذلك يحتاج التحالف المدني–الشعبي القادم إلى الاستفادة من الوطنيين من المتقاعدين العسكريين والأمنيين والشرطيين ممّن انحازوا إلى ثورة ديسمبر قلوبهم ، وكذلك من بعض السياسيين الذين ابتعدوا عن المشروع الإسلاموي، حتى لو كانوا سابقًا متواجدين داخل أطرٍ قريبة من الحركة الإسلامية أو المؤتمر الوطني. الحكمة هي أن يُؤخذ الصالح حيث كان، وأن تُستثمر التجربة بدلًا من إهدارها.
🔹 ثانيًا: العالم الحديث لا يحترم الفراغ ولا العزلة!!
إن العلاقات الدولية تُدار بالبراغماتية وتبادل المنافع، لا بالعاطفة ولا بحسن النوايا.
وقد أثبتت التجارب أنّ الانعزال عن المجتمع الدولي — كما فعل بعض الثوار بحسن نية — كان خطأً استراتيجيًّا كبيرًا.
لا يمكن بناء دولة الحرية والسلام والعدالة داخل جزيرة 🏝️ معزولة عن العالم!!
ولا يمكن رفض المبادرات أو التحالفات من دول العالم ثم نطلب منهم الإنقاذ حين تشتد بنا الأزمات!!
📌🛑السودان الجديد يحتاج إلى:
شراكات دولية مدروسة،
دعم اقتصادي مُراقَب،
علاقات دبلوماسية نشيطة،
والانفتاح على العالم دون ارتهانٍ أو تبعية.
🤷وبغير هذا، لن يتعافى الاقتصاد، ولن تُبنى المؤسسات، ولن يُهزم اقتصاد الحرب.
🔹 ثالثًا: جذور الصراع واحدة منذ 1989!!
ما يجري اليوم في السودان ليس انحرافًا طارئًا، بل هو استمرارًا لمشروع جماعة الحركة الإسلامية منذ انقلاب 30 يونيو 1989:
💢السيطرة على المال والسوق والثروة والذهب والأراضي والموانئ والاقتصاد الوطني!!
ومن بعد إزاحة عمر البشير، انقسم ذلكم المشروع ما بين:
📌الجيش وشبكاته الاقتصادية،
📌الدعم السريع ومناجم الذهب،
📌وتجار الحرب المحليين والإقليميين.
ولهذا لن يتنازل هؤلاء بسهولة عن السلطة ولن يوقفوا الحرب ، ولن يعودوا إلى الثكنات هكذا دون قتال او Deal 🤝
إنهم لن يوقفوا الحرب ولن لن يقبلوا بدولة القانون والمؤسسات ، طالما بقيت موارد البلاد في أيديهم !!
🔹 رابعاً: المنتفعون… الوقود الخفي لاستمرار الحرب!! 🛑
لا يجب تجاهل وتأجيل مواجهة شريحةٍ كاملة من المنتفعين وتجار الحرب والمهربين والوسطاء الذين اغتنوا خلال القتال.
هؤلاء هم الذين سيقاتلون — سياسيًا وإعلاميًا واقتصاديًا — لمنع قيام الدولة الحديثة.
فالدولة بالنسبة لهم ليست وطنًا… بل خطرًا على أرباحهم!!
🔹 خامسًا: لا إقصاء شامل… ولكن يقظة كاملة!!
لا يمكن بناء السودان الجديد على قاعدة العزل الكامل أو الإقصاء المطلق لجماعة الحركة الإسلامية والموتمر الوطني والعسكر الانقلابين وشركائهم من جماعة التيار الإسلامي العريض وقادة الحركات والميليشيات .
لكن يمكن — ويجب — ضبط الساحة السياسية وفق قواعد واضحة:
📌من يلتزم بالدستور يُسمح له بالمنافسة،
📌ومن تلطّخت يداه بالجرائم يُحاسب بالقانون،
📌ومن يحاول العودة إلى الدولة القديمة يُكشف ويُردع،
📌ومن يلتف على الثورة يُعرّى أمام الشعب.
🫵بهذه المعادلة المتوازنة سنستعيد الدولة من دون أن ننزلق إلى ثأرٍ سياسي يُعيد إنتاج الحرب و الخراب.
🔹 سادسًا: بناء الدولة أولًا… ثم تأتي المحاسبة العادلة!!
لقد كان خطأً كبيرًا أن تبدأ قوى الحرية والتغيير في عهدها الأول باسترداد الأموال والمحاسبات قبل بناء المؤسسات القضائية والتنفيذية والرقابية القادرة على تثبيت العدل.
لذلك ..فإن المرحلة القادمة، يجب أن تبدأ بالعكس تماماً:
المؤسسات أولًا… المحاكمات ثانيًا!!
🤷فالحكم الرشيد لا يُقام بالثأر، بل بالقانون، والدولة لا تُبنى بالغضب والمظاهرات ، بل بالنظام والمؤسسات.
🔹 سابعاً: الديمقراطية تتطلب الصبر… لا حرق المراحل!!
🧐على الشعب السوداني أن يتعلم الدرس القاسي:
إن الصبر على حكومة مدنية مقصّرة ، لهو خيرٌ من الانقلاب العسكري مليون مرة!!
دولة القانون و الديمقراطية والسلام والحرية والعدالة لن تزدهر في سنةٍ أو سنتين، بل تحتاج إلى تجربةٍ مدنية ديمقراطية تتراكم، وأخطاءٍ تُصحَّح، ومؤسساتٍ تُبنى، ووعيٍ يتجذّر.
🚧الطريق إلى السودان الحديث يمر عبر:
📌احترام الدستور،
📌تنفيذ القانون،
📌ضمان الحريات،
📌مع استدامة الحكم المدني مهما كانت عثراته.
🧐🫵الخلاصة!!
إنّ السودان الجديد لن يولد من معركة السلاح، بل من معركة الوعي.
ولن يُبنى بالهتاف وحده، ولا بالغضب، ولا بالعزلة، بل بـ تحالفٍ مدني–شعبي واسع يجمع الشباب والخبراء والوطنيين من كل الأطياف.
وإذا اتفق هذا التحالف على مشروعٍ وطني جامع — مشروعٍ يخدم الناس لا الجماعات — فسيتحوّل السودان بإذن الله من ساحة حربٍ إلى دولة قانونٍ وحياةٍ كريمةٍ وكرامةٍ إنسانية.
ذلك هو الطريق ، وإن كان طويلاً جداً… ولكن ليس هنالك غيره طريقاً سوي إستمرار الحرب والإنقلابات والثورات التي تعقبها الانقلابات !!

زر الذهاب إلى الأعلى