الأعمدة

هدنة إنسانية.. ومجتمعٌ بلا إنسانية

بقلم: د. أحمد طه العاقب أبوحريرة
من المفارقات أن يُطلب من السودان أن يوقّع “هدنة إنسانية” مع من لا يعرف للإنسانية معنى، وأن يتحدث من يسمّون أنفسهم “المجتمع الدولي” عن قيم الرحمة، وهم أنفسهم من أشعلوا نيران الحروب ورسموا حدود الخراب في العالم الثالث.
فأي إنسانيةٍ تلك التي تأتي من عواصم صمتت على هيروشيما وناجازاكي، وشهدت على رواندا والبوسنة دون أن تحرك ساكنًا، وأعطت الضوء الأخضر لاحتراق غزة منذ عقود؟
إنها الإنسانية الانتقائية التي تُستخدم لتجميل الوجه القبيح للقوة.
—
1. المجتمع الدولي.. الاسم الحركي للفوضى
ما يسمّى اليوم بـ”المجتمع الدولي” ليس كتلة أخلاقية كما يظن البعض، بل منظومة مصالح تتحكم فيها قوى كبرى، تتقن لعبة “الفوضى الخلّاقة”.
هي من رسمت حدود الشرق الأوسط القديم بعد الحرب العالمية الأولى، وهي الآن تعيد رسم الشرق الأوسط الجديد — ولكن بأدوات داخلية هذه المرة.
في كل بلدٍ محترق، ستجد نسخةً محلية من “الفاعل الدولي” تتحدث بلسانٍ وطني، وتنفّذ أجندة غير وطنية.
في ليبيا كان هناك “حفتر”، وفي اليمن “التحالف”، وفي سوريا “المعارضة المدعومة”، واليوم في السودان، هناك ميليشيا محلية تُدار من الخارج وتُقدَّم للعالم كطرفٍ سياسي.
—
2. الإمارات.. التبرّج في واجهة المسرح
كثيرون يتحدثون عن الإمارات كأنها صاحبة مشروع إقليمي، بينما الحقيقة أنها الواجهة الأكثر تبرّجًا لمشروعٍ لا تملك حتى حق رفضه.
هي دمية أنيقة في يد قوى كبرى، تُنفّذ لا لتربح، بل لتضمن البقاء.
تُستَخدم في تمويل الحروب بالوكالة، وتجميل الوجوه القبيحة في بيانات “التهدئة”، ثم تُلقى اللائمة عليها عندما تتعفّن النتائج.
الإمارات اليوم ليست إلا ذراعًا مالية وإعلامية في مشروعٍ أكبر، هدفه رسم خارطة جديدة للشرق الأوسط تُقسّم الدول لا بالحدود، بل بالولاءات.
خطةٌ تُعيد تدوير الصراعات الطائفية والقبلية، وتغذّي المليشيات، وتقدّمها للعالم على أنها “قوى أمرٍ واقع”.
—
3. السودان في مرمى الخرائط الجديدة
السودان ليس ساحة حربٍ داخلية كما يُصوَّر، بل هو مفتاح جيوسياسي في مشروع إعادة تشكيل القرن الإفريقي والشرق الأوسط.
من يملك السودان يملك مدخل البحر الأحمر، وممر التجارة، ونقطة التقاء المصالح بين العرب والأفارقة.
ولذلك فالحرب عليه ليست حربًا عشوائية، بل عملية جراحية مؤلمة يراد منها إعادة رسم الوعي والولاء والهوية.
الحديث عن “هدنة إنسانية” هنا ليس أكثر من غطاء سياسي لتحريك الحدود بلا خرائط، ولإعادة تموضع القوى الدولية في قلب إفريقيا.
من يطلب الهدنة لا يريد وقف الحرب، بل يريد أن يضمن ألا ينتصر الجيش.
—
4. ما الذي يجب أن يفعله السودان؟
على السودان أن يدرك أن الحرب لم تُفرض عليه فقط بالسلاح، بل أيضًا بالمعاني:
فحين يفرضون عليك تعريفهم للسلام، ويفرضون عليك شكل الهدنة، ويحددون لك من هو “الطرف الشرعي”، فهم لا يسعون للسلام بل لانتزاع السيادة من الوعي الوطني.
المسار الآمن هو أن:
يعرّي السودان الخطاب الدولي المزيّف أمام الرأي العام العالمي.
يوحّد قراره الوطني دون أن ينتظر “إشارة أخلاقية” من مجتمع بلا ضمير.
يفضح أدوات الحرب النفسية، ويفصل بين الموقف الدولي وبين المصلحة الوطنية.
يبني تحالفاته على المصالح لا العواطف، وعلى الندية لا التبعية.
—
5. خاتمة
المجتمع الدولي الذي يقدّم نفسه كحَكمٍ على النزاعات، هو ذاته الفاعل الحقيقي فيها.
وما الإمارات إلا أصبع في يدٍ خفية تُمسك بخيوط المنطقة.
وما الهدنة التي يدعون إليها إلا استراحة بين فصلين من فصول إعادة التشكيل.
لكن السودان، الذي وُلد من رحم التاريخ، قادر أن يفلت من هذه الشبكة، إن وعى أن الإنسانية ليست منحة، بل موقف.
ففي زمنٍ تُدار فيه الحروب باسم الرحمة، يصبح الوعي الوطني هو آخر أشكال المقاومة.

زر الذهاب إلى الأعلى