”


في مشهد يصعب وصفه بأقل من “الكارثة الفنية”، ظهر عبدالوهاب وردي، الذي يحمل اسم أحد أعظم الفنانين السودانيين ، في مقطع مصور يردد ما يمكن تسميته بـ”أقصر أغنية حربية في التاريخ”: ثلاث كلمات فحسب، “هدنة بتاع فنيلتك”، يرفض فيها وقف إطلاق النار في السودان الجريح.
المفارقة المؤلمة أن الرجل ورث من أبيه الاسم فقط، أما الموهبة والرسالة والإحساس، فقد بقيت في قبر الفنان الراحل محمد وردي، الذي لو بُعث اليوم لاستعار من نفسه لحنًا حزينًا وغنّى: “يا ولدي الغريب، ليتك ما كنت”
“التناقض الصارخ: من الثورة إلى الخراب”
غنّى محمد وردي ذات يوم: “اليوم نرفع راية استقلالنا”، فاهتزت له القلوب وارتفعت الهامات، وصار صوته رمزًا للكرامة والحرية. أما النجل، فقد قرر أن يختصر مساره الفني – إن جاز التعبير – في عبارة تدعو لاستمرار سفك الدماء، مؤكدًا بذلك أن الجينات الفنية ليست كالجينات البيولوجية، وأن الموهبة لا تُورّث بالضرورة حتى لو كان اللقب ثقيلًا.
البعض علّق بمرارة: “كأن النار أنجبت رمادًا”، وآخرون كتبوا ساخرين: “لو أن الأب حيّ اليوم لألّف ملحمة عن خيبة الأمل وسمّاها ‘عندما يخون الإرث'”، وثالث قال بحسرة: “الأب غنّى للحياة، والابن يغنّي للموت.. هذا ليس تناقضًا، بل انقلاب كوني!”
عندما يصبح الفن خطاب حرب
الطامّة الكبرى ليست في رداءة الأداء أو ضحالة المحتوى فحسب، بل في المضمون الخطير: دعوة علنية لرفض السلام ومواصلة القتال. فبينما كانت أغاني محمد وردي بمثابة “ترياق للروح المتعبة”، جاءت كلمات نجله كـ”سمّ يُسكب في الجرح المفتوح”
الفرق هنا ليس مجرد مستوى فني، بل اختلاف في الرؤية والضمير: الأب حمل مشعل الأمل في أحلك الأوقات، والابن يطالب بإطفاء آخر شمعة في نفق الظلام السوداني.
“اعتراف مُسبق بالفشل”
في لقاء تلفزيوني قديم، اعترف عبدالوهاب بأن والده نفسه تساءل أمام الملأ: “من الذي أجاز هذا الصوت؟”، بل وحذّره من الصعود إلى المسرح خشية أن يُقذف بالحجارة. لكن الابن فسّر هذا التحذير الأبوي على أنه “تحدٍّ يجب تجاوزه”، فكانت النتيجة أن الحجارة تحولت إلى سيل من السخرية اللاذعة على منصات التواصل.
أحد المعلقين كتب بقسوة: “محمد وردي كان يصنع الجمال من الألم، وابنه يصنع الألم من… لا شيء”، وآخر قال: “الدولة الوحيدة التي ماضيها أجمل من حاضرها بلا منازع هي السودان، وعبدالوهاب دليلنا الحيّ على ذلك”
“الخلاصة المُرّة”
في النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل كان الأجدر بنجل محمد وردي أن يحفظ صمتًا محترمًا بدلًا من أن يحوّل اسم والده إلى مادة للسخرية؟
لعل الجواب يكمن في حكمة قديمة تقول: “ليس كل من حمل اسمًا عظيمًا قادرًا على حمل إرثه”، وفي حالة عبدالوهاب وردي، يبدو أن الاسم صار عبئًا ثقيلًا على كاهل صاحبه، وعلى ذاكرة من يحبون الفن الحقيقي.
رحم الله محمد وردي، الذي غنّى للحياة فأحيا القلوب، وأبقى الله السودان بعيدًا عن أصوات تدعو للموت باسم… لا شيء.



