الأعمدة

ماذا نفعل مع عبدالله علي إبراهيم ؟

نزار عثمان السمندل
كمن يطلب الغفران لجماعة لا تعرف الندم؛ ارتدى الدكتور عبدالله علي إبراهيم رداء المؤرخ، لكنه نزل إلى الميدان محامياً، يدافع عن الحركة الإسلامية (الكيزان) ببلاغةٍ لا يليق بها الموكِّل. منحهم من التبرير والحجج ما لم يمنحهم عرّابهم الترابي، ووشّح تاريخهم الملطخ؛ بلغة المصالحة الزائفة. كأن الحبر قادر على غسل الدم المسفوك.
كتب مقالاً أخيراً بعنوان “الرباعية والسودان: إلّا الإسلاميون” (اندبندنت عربية – 9 نوفمبر)، بدا فيه كمن يحاول إقناع الذاكرة بالتراجع، ووصف شواهد التاريخ بالجهالة والتواطؤ الصامت. حتى “الماضي القريب” أراد تغبيشه وإنزال العقوبة به لأن هذا الماضي القريب ـ وببساطة ـ اقترف جريمة التذكُّر: حين حفظ صور البيوت المظلمة، والوجوه المعذَّبة، وصيحات المعتقلين وهي تتبدّد في هواء “بيوت الأشباح”.
تحدّث في مقاله؛ عن الكيزان كـ «حركة مجتمعية» تسعى بين الناس، متناسياً أن سعيهم لم يكن أبداً؛ بلا قتلٍ أو جراح، ولا دعواهم كانت بلا سياط.
وصفهم بأنهم حاربوا الديكتاتوريات، وتناسى أنهم صنعوا دكتاتوريتهم الخاصة التي لم يسبقهم إليها طاغية: مُحكمة الإغلاق، مشبعة بالردع والتخويف، لا ترى الناس إلا رعايا في أرضٍ تابعة لهم، فتحوا السودان فندقاً لجميع إرهابيي العالم ومنحوهم جوازات السفر الدبلوماسية. النتيجة كانت نبذاً دولياً وحصاراً قاسياً وعقوبات مؤلمة؛ ما دفع ثمنها الباهظ سوى هذا الشعب المُضطهد.
قال إن أكتوبر أنجبت نجمهم الأكبر الترابي، وكأن ميلاده آنذاك لم يكن سوى ظلامٍ دامس: من تلك اللحظة بدأ الانهيار يتخذ هيئة مشروع. باسم الشريعة شُيّدت المقاصل، وبزعم الدعوة جُلدت النساء في الطرقات، وبصخب «التحرير» حوصرت الحرية نفسها حتى اختنقت.
حين تحدث عن «فقه تحرّر المرأة» الذي جاءت به الحركة، بدا كمن يسخر من التاريخ نفسه. أي تحررٍ ذلك الذي يبدأ بالعصا وينتهي بالسجن؟ أي فقهٍ ذاك الذي يحوّل جسد المرأة إلى ميدانٍ للعقاب الرمزي والمادي؟ لم تُجلد النساء في عهدٍ مثلما جُلدن في عهد “المشروع الحضاري”، ولم يُهَن التعليم، ويُجَوّع المواطن ويؤكل، ويُغتصَب الوطن… كما في زمن الكيزان.
قال إن جماعتهم «ثبتت في المجتمع»، ولم تكن مثل الحركات التي اعتزلت الناس أو كفّرتهم. أوَما فعلوا؟. فعلوا ذلك وأكثر؛ ثم لم يكتفوا. أرادوا أن يكونوا الله والدولة والتاريخ، أن يحتكروا حتى اللغة والذاكرة والملامح، أن يختصروا السودان في صورة أمير الجماعة والخزنة والعقيدة المسلّحة.
ثم جاء دفاعه الأعجب. قال: «لم ترتكب حركة الإخوان جناية لم يسبقها إليها خصومها». عبارة تُكذّبها الجثث، ويحتج عليها المفقودون. هل من سبق الكيزان إلى إقامة بيوت الأشباح؟ من ابتكر التعذيب كمنهج رسمي؟ من أطلق الحرب الدينية على شعبه، وقصف الناس بالبراميل، ودفن الضحايا أحياء؟ من تاجر بالدين حتى صار الفساد عبادة والوطن غنيمة؟
تحدّث عن معارضتهم المزعومة للطغم العسكرية، عن «سماحتهم» في قبول الآخر حين استولوا على السلطة. أيقصد تلك “السماحة” التي قتلت “علي فضل” ؟ اعتقلت المعارضين وذبحت المتظاهرين في كل البطاح؟ وغسلت الدم في ميدان الاعتصام ؟ أم التي جعلت الرصاص وسيلة الحوار الوحيدة بين السلطة والشعب ؟
بلغ دفاعه ذروته حين اتهم “الرباعية” بإقصاء الإسلاميين، وقال إن السودان لا يقبل وصاية أحد. وكأن الكيزان كانوا حماة السيادة لا ناهبيها. تجاهلَ أن استبعاد الكيزان من الفترة الانتقالية لم يكن قرار الرباعية، بل قرار الثورة نفسها، قرار الملايين الذين خرجوا ليقولوا: “تسقط بس”. ذلك القرار الذي كُتب بالدم لا بالحبر.
مقال عبدالله علي إبراهيم لم يكن نصاً أكاديمياً بل مرثية مضادة، كتبها مثقفٌ يتلمّس في الرماد وهجاً انطفأ. حاول أن يُجمّل القُبح ببلاغة متعمدة، أن يكسو العار بثوبٍ من التبرير الفكري. لكنه نسي أن التاريخ لا يقبل المساحيق، وأن جراح السودان لا تحتاج إلى من يفسّرها، بل إلى من يشهد على عمق نزيفها.
ولأن الشهادة أمانة، نقولها كما هي:
الكيزان لم يكونوا «حركة مجتمعية»، بل تجربة شاملة في الخراب والقتل والتدمير.
ومَن يدافع عنهم اليوم، إنما يضع فكره في خدمة النسيان.
والنسيان؛ يا دكتورنا العزيز… هو الجريمة الأخيرة.
حقاً… ماذا نفعل مع عبدالله علي إبراهيم؟ مَن يضعه على رفّ التُحف ؟

زر الذهاب إلى الأعلى