الأعمدة

الذهب الدموى…

على الكبير…
هذا العنوان إستلهمته من فلم (الماس الدموى) وهو الفلم الذى قدم السردية المأساوية لجانب من الحرب الأهلية السيراليونية 1999 ودور الماس في تلك الحرب الوحشية. فبدل أن يكون هذا المعدن النفيس سببا في تنمية تلك الدولة الإفريقية الفقيرة أصبحت لعنة ووبالا عليها، مع أنها تختزن من هذا المعدن ما يكفيها إلى يوم القيامة. وسردية المعادن الدموية هذه تكررت في أكثر من دولة إفريقية وبعضها لا تزال تعانى لعنة هذه النعم التي تتحول في أيدى المتخلفين إلى نقمة. ونحن بالطبع اليوم في مقدمة تلك الدول.
ما دفعنى إلى إستحضار هذا الفلم هو مدى مطابقته لما يجرى لدينا هذه الأيام في سوداننا المنكوب بمعادنه النفيسة. ولعل القارىء يستغرب وصفنا لثروة نفيسة بأنها “ناكبة”،، ولكن ما أن يعرف كمية الذهب الذى ننتجه سنويا وأين يذهب حتى يقر معى بأنها حقا ثروة ناكبة. ينتج السودان ما لا يقل عن 100 طن من الذهب السودانى سنويا، وهناك أطنان أخرى يتم تهريبها خارج الدوائر الرسمية. وأقدر أن 10% فقط من عائد هذا الذهب يصرف على الخدمات وأما ال 90% منه إنما يتحول جله كوقود لآلة الحرب.
لن يختلف عاقلان أن القصدية الإلهية من وراء تقدير الثروات والأقوات للناس في هذه الدنيا هي لأجل إعمار الأرض وتحقيق سعادة الإنسان لا لأجل الدمار وبذر الشر. وتأتى في قمة تلك الهبات الإلهية كل الثروات المعدنية بمختلف خصائصها كالبترول والذهب والماس واليورانيوم وما شابهها، فضلا عن الثروات الحيوانية والنباتية والمائية إلخ. معظم هذه الثروات في ظل حربنا الضروس هذا تذهب عائداتها إلى تغذية الحرب وبذر الشقاء والكره بطريق أو بآخر.
الكثير من الدول لا تمتلك حتى عشر ما نمتلكه من مقدرات طبيعية وبعضها تضطر حتى إلى إستيراد التراب الخام من الخارج. ومع ذلك فهى من الدول المتقدمة ذات الإقتصادات التي تضاهى إقتصادات كبريات الدول. بينما نحن برغم هذه الثروات الخرافية نكاد نهلك جراء الجوع والمرض والجهل وإفتراس بعضنا البعض. فكيف صارت إلى ما صارت إليه وكيف صارت النعمة في أيدينا إلى محض نقمة؟
فلم الذهب الدموى سلط الضوء على القضايا الإنسانية المعقدة والمأساوية التي إرتبطت بتجارة الماس في مناطق النزاعات وساهم بقدر كبير في محاربة تلك الأنشطة. وأما فلمنا الذى عنوانه الذهب أو ربما اليورانيوم الدموى فهو ما يزال بإنتظار حصاد الحرب حتى يمكن إخراجه ويكون عبرة لمن يعتبر.
فلنستعد لليوم الذى نسأل فيه عما فعلنا بكل تلك المقدرات الخرافية التي حبانا لها الله.

زر الذهاب إلى الأعلى