الأعمدة

بابنوسة.. مفترق طرق يُصارع مصير الفاشر

بقلم نجلاء نورين
بابنوسة، مدينة سودانية هادئة آمنة شامخة ،في غرب كردفان، تقف اليوم نقطة مستهدفة على خارطة النزاع المشتعل، هي حكاية سودان مصغر، كتلة متراصة من التآخي تجمع مواطنين مسالمين من كل قبائل السودان، حيث كانت في ماضٍ ليس ببعيد شريان حياة يربط شمال البلاد بغربها وشرقها عبر سكك حديد السودان العريقة، وعرفت الصناعة منذ زمن، واشتهرت بمصنع ألبان تحوّل شاهداً على تقلبات الاقتصاد في السودان حين تحول لتجفيف الكركدي والصمغ العربي والعرديب! قبل أن تتوقف عجلته تماما لتُضاف إلى قائمة المشاريع الاقتصادية والتنموية التي يأباها قدر هذا البلد المكلوم، فكلما أشرق على مشروعٍ نورُُ وازدهر، إلا و تراجع وتدهور ليتوقف بلا منطق، لتعود عجلة الحرب الخبيثة للدوران في زاوية أخرى من أركان السودان المائلة المهزوزة من جديد.!
الآن، تقف بابنوسة بقلبها النابض بالمدنيين العزل على حافة كارثة حقيقية، محاصرة بين نارين، فبعد قصف بالمسيرات وتوغل متصاعد من قوات الدعم السريع التي تسللت إلى داخل الأحياء، وبين تواجد الجيش السوداني ممثلاً بالفرقة 22 داخل المدينة، بات مصير سكانها رهناً للتوقعات السوداوية، فالعيون تترقب بوجل مصيرًا قد لا يختلف كثيراً عن مأساة الفاشر الأخيرة التي شهدت انسحاباً للقوات النظامية وسحقاً للمدنيين على أيدي قوات الدعم السريع بلا رحمة وبلا إنسانية، وتتزايد المخاوف من سيناريو الاجتياح الشامل الذي قد يغرق المدينة في حمام دم وتدمير كبير، في ظل تصاعد الحشود العسكرية لكلا الطرفين والتقارير التي تتحدث عن تحول المدينة إلى “مدينة أشباح” وعمليات نزوح جماعية قُدرت بـ 177 ألف شخص.
أمام هذا الوضع المتفجر، تتعلق الآمال الخافتة بجهود الدبلوماسية الدولية والإقليمية التي تبذل محاولات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وفي مقدمتها الدعوات للانخراط في وقف لإطلاق النار وفقاً لـ “الرباعية”، وتأتي زيارة وزير الخارجية المصري الأخيرة للبلاد لتزيد من احتماليات التحرك الدبلوماسي العاجل، لكن الواقع الميداني لا يزال أشد قتامة وإلحاحاً، فكل يوم يمر دون هُدنة يعني سقوط المزيد من الضحايا الأبرياء وتفاقم الكارثة الإنسانية، خصوصاً بعد تقارير شبكة أطباء السودان التي تحدثت عن اعتقال واحتجاز أطفال ونساء قرب المدينة بتهمة انتماء ذويهم للجيش، مما يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، في حين يستمر المدنيون في مناطق النزاع بالفرار، محملين بالخوف والجوع والمرض، بينما يقف العالم متفرجاً على بؤرة جديدة تشتعل في خاصرة السودان الغربية، وكأن مصير هذا الوطن هو أن يبقى غارقاً في دوامة عنف لا تنتهي، وتصعيد عسكري لا يقابله أي أثر ملموس للجهود الدبلوماسية والمساعي الدولية لوقف نزيف الدم المستمر منذ أشهر طويلة.

زر الذهاب إلى الأعلى