عثمان ميرغني: مُحدِّدات السودان الجغرافية والسكانية تتحول إلى تهديد وجودي في غياب “عقل مركزي” يدير الدولة

اعتبر الكاتب عثمان ميرغني، في مقاله «المُحدّدات.. المُهدِّدات»، أن ما يُفترض أن يكون مجرد إطار طبيعي تتحرك فيه إرادة أي دولة، يتحول في الحالة السودانية إلى مصدر خطر وجودي يهدد كيان الدولة نفسها.
وأوضح الكاتب أن لكل دولة محدِّدات ترسم حدود قدرتها بحسب المعطيات المحيطة بها، وأن هذه المحدِّدات في الأصل لا تمثل تهديدًا قائمًا بذاته، بل تشكل حدود مساحة يمكن للدولة أن تعمل داخلها وتسعى إلى توسيعها. غير أنه رأى أن هذا المبدأ العام لا ينطبق على السودان، إذ تتحول المحدِّدات هناك إلى مُهدِّدات بالغة الخطورة.
ولتوضيح فكرته، ضرب الكاتب مثالين عمليين.
المثال الأول يتعلق بالموقع الجيوسياسي للسودان، الذي يُعد من أبرز محدِّدات الدولة، حيث تحيط به سبع دول عبر جوار قاري متصل، إضافة إلى جوار بحري ثامن لا يقل أهمية أو حساسية عن الحدود البرية. واعتبر الكاتب أن هذا الموقع يشكل أحد محدِّدات الأمن القومي السوداني، ويفرض على الدولة منطلقات وقيودًا شبه دائمة، بما يستوجب أن تكون دراسته والعمل بموجبه بندًا ثابتًا في السياستين الداخلية والخارجية.
إلا أن الكاتب لفت إلى مفارقة لافتة، وهي أن ما ينبغي أن يكون عنصرًا ثابتًا بطبيعته -أي الموقع الجيوسياسي- يبدو في الحالة السودانية أقرب إلى ثقب أسود مجهول التكوين والعواقب. وفسّر ذلك بأن هذا الموقع أصبح نتاجًا لخوارزميات معقدة ومجهولة الخصائص، إلى درجة لا تسمح ببناء سياسة ثابتة أو حتى متغيرة وفق منطق واضح؛ ليس بسبب تغير الموقع في ذاته، وإنما لأن التكوين الذي يحكم التعامل معه سودانيًا هو المتغير الحقيقي.
أما المثال الثاني فيتصل، بحسب الكاتب، بالمحدِّدات المرتبطة بالتكوين السكاني لأي دولة، والتي تنبع من التراكم التاريخي الجيني والنفسي لمواطنيها. ورأى أن هذا المحدِّد، في الحالة السودانية تحديدًا، يبدو بلا عنوان واضح أو قاموس يمكن من خلاله تفسيره وفهمه.
وحذّر الكاتب من أن المُهدِّدات الناتجة عن هذه المحدِّدات ترتقي في خطورتها إلى مستوى يهدد الدولة السودانية بالفناء الذاتي، وهو ما يعزوه إلى القصور في معالجة الخلل الهيكلي القائم.
وأمام هذا الواقع، طرح الكاتب سؤالًا محوريًا حول كيفية معالجة هذا الخلل، ليجيب بأن الخطوة الأساسية تبدأ بهيكلة الدولة وظيفيًا، بما يمكّنها من تكوين ما أسماه “العقل المركزي” القادر على إدارتها.
وبيّن الكاتب أن هذا “العقل المركزي” مطالب بأداء وظيفتين رئيسيتين: الأولى تتعلق بالتخطيط الاستراتيجي، والثانية بضبط الإيقاع الوظيفي للدولة، بما يحقق أعلى درجات الانسيابية في الموازنة بين السلطات الممنوحة لمكونات الدولة والمهام المطلوبة منها.
وختم الكاتب بالتأكيد على أن مفهوم “العقل المركزي” لا يقتصر على المؤسسات وحدها بوصفها البنية الصلبة (Hardware) للدولة، بل يشمل أيضًا التشريعات التي تمثل البرمجيات (Software) الرابطة بين هذه المؤسسات.
#حديث_المدينة #السودان #عثمان_ميرغني



