خرج إلى العلن نوع جديد من التجار… تجار الموت .. رجال بلا وجوه، بلا ظلّ، بلا قلب. يتناسلون كما تتناسل الحشرات
عثمان فضل الله
لم أخشَ على شباب بلادي يوماً من أولئك الذين باعوا عقولهم لوهمٍ مقدّس، يسوّقون للفقر باعتباره نعمة، وللغنى باعتباره نقمة، ويزيّنون العجز بلبوس الزهد. لم أخشَ عليهم من الواعظين بغير علم، ولا من تجار الأوهام الذين جعلوا الإحباط عقيدة. ولم أقلق على مستقبلهم حتى حين تمدّد في الظلام مروّجو المخدرات، يقتاتون على هشاشة الأعمار الغضة ويصطادون الأرواح عند أقرب منعطف.
لكنني اليوم مذعور حدّ الارتجاف. فقد خرج إلى العلن نوع جديد من التجار… تجار الموت.
رجال بلا وجوه، بلا ظلّ، بلا قلب. يتناسلون كما تتناسل الحشرات في البيئات الفاسدة؛ يتكاثرون كلما انهارت الدولة، واشتعلت نار الفتنة، وارتبك الناس بين النجاة والهلاك. يأتونك من كل اتجاه، بيدٍ تحمل سلاحاً، وبالأخرى تحمل وعداً كاذباً بالجنة، وهم في قرارة نفسهم باحثين عن الثراء اذ لم يعد الطريق إلى المال يحتاج علماً، ولا جهداً، ولا زمناً… بل كتيبة.
كتيبة تُعَدُّ في ساعات، وتُطلق في يوم، وتغدو سلّماً سريعاً للغنى والجاه والسطوة.
صار دم الأبرياء رأسمالاً، وصارت الجثث أوراقاً مالية، وصار الخراب مشروعاً اقتصادياً يفتح أبوابه بلا إعلان.
أرى شباب بلادي اليوم يقفون على حافة هاوية لم يعرفوها من قبل؛
هاوية يصعد فيها صوت الموت أعلى من صوت العقل،
وتُصبح فيها البندقية أكثر إغراءً من الجامعة،
ويغدو فيها الطريق الأقصر إلى الثراء للبعض يبدأ بخطوة على جثمان الوطن نفسه.
يا لمرارة هذا الزمن…
زمنٌ يخاف فيه المرء على فلذات أكبادنا من السلاح أكثر مما يخاف من الجوع،
ومن ثراء البعض السريع أكثر مما يخاف من الفقر الطويل،
ومن وهج القوة أكثر مما يخاف من ظلمة الضياع.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة أن يتحوّل شبابها من بناة للمستقبل إلى مقاتلين بالوكالة،
ومن أبناء وطنٍ واحد إلى أرقامٍ في كتيبةٍ بلا اسم.
اللهم أحفظ هذا الجيل من فتنٍ لا ترحم،
ومن تجارٍ لا يخجلون،
ومن زمنٍ صار الموت فيه تجارة رابحة،
والحياة فيه استثماراً خاسراً.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة



