تقارير

احتجاز شاحنات الإغاثة في نيالا: أزمة إنسانية تتفاقم وسط رسوم غير قانونية وصراع نفود

تشهد مدينة نيالا في جنوب دارفور واحدة من أخطر أزمات تعطل المساعدات الإنسانية منذ اندلاع الحرب، بعد احتجاز مليشيا الدعم السريع لعشرات الشاحنات المحمّلة بالإغاثة، وفرض رسوم جمركية وإدارية باهظة لا تستند إلى أي إطار قانوني. وتكشف إفادات العاملين الإنسانيين والسائقين والمسؤولين المحليين عن أزمة مركّبة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الفوضى الإدارية، ما يؤدي إلى تفاقم معاناة السكان في الإقليم الذي يواجه انهيارًا شبه كامل في الخدمات الأساسية.

أولاً: رسوم مفروضة بالقوة… والإغاثة كوسيلة ابتزاز

تفيد المصادر بأن الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية، بالتنسيق مع الإدارة المدنية التابعة لمليشيا الدعم السريع، تفرض على شاحنات الإغاثة رسومًا تتراوح بين 5 و10 ملايين جنيه سوداني، وهو مبلغ تعجز معظم الجهات الإنسانية عن تأمينه بانتظام في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

ولا يُسمح للشاحنات بمواصلة رحلتها نحو المناطق المتضررة إلا بعد دفع هذه الرسوم، في ممارسة تجعل الإغاثة خاضعة لمنطق الجباية القسرية لا لضرورات العمل الإنساني.

ويشير عامل إنساني في الولاية إلى أنّ السائقين يجبرون على التوقف في ميدان نادي الهلال، ليظلوا عالقين لشهور انتظارًا لتسوية مالية لا أساس قانونيًا لها، فيما تتعطل الإغاثة المخصّصة لمئات الآلاف من المحتاجين.

ثانيًا: تكدّس مستمر… وشلل في مسار المساعدات

تكشف المعطيات أن أكثر من 40 شاحنة شهريًا تُحتجز في ميدان نادي الهلال شرق سوق نيالا الكبير، معظمها تابعة لمنظمات دولية ووكالات أممية. وفي بعض الحالات، تبقى الشاحنات عالقة لأكثر من ثلاثة أشهر، ما يؤدي إلى تلف بعض المواد وتراجع القدرة على الاستجابة السريعة.

وتشير شهادات السائقين إلى أنّ بعض الشحنات تُسحب قسرًا وتُخزَّن لدى الوكالة الحكومية في حي المطار، ما يخلق مخاوف إضافية بشأن مستوى الشفافية في إدارة المواد الإغاثية.

ثالثًا: عوائق تعطل النقل… وتراجع استعداد الشركات للتعاون

بحسب منظمات الإغاثة، فإن عدداً متزايدًا من أصحاب الشاحنات التجارية يرفضون نقل المساعدات إلى دارفور بسبب:

  • الرسوم الباهظة المفروضة من الإدارة المدنية.
  • البوابات العشوائية على الطرق بين الولايات.
  • تعدّد الجهات التي تطالب بالجبايات الرسمية وغير الرسمية.

ويؤدي هذا الوضع إلى ارتفاع تكلفة النقل وشلل شبه تام لخطوط الإمداد نحو ولايات دارفور، ما يفاقم الأزمة الإنسانية ويعمّق الفجوة بين الاحتياجات الهائلة والقدرة على الاستجابة.

رابعًا: غياب التنسيق… وتضارب الجهات المشرفة على الإغاثة

أقرّ مسؤول في الإدارة المدنية بنيالا بوجود الشاحنات الاحتياطية في ميدان الهلال، موضحًا أنّ الإجراءات الإدارية تتعلق بالوكالة السودانية للإغاثة، بينما تتبع الرسوم لوزارة المالية الولائية. ويتم تحصيلها من خلال محصّلين من الوزارة ومحليات نيالا ونيالا شمال. هذا التشابك في الصلاحيات يؤكد حالة الفوضى الإدارية، وغياب آليات واضحة تسمح بمرور الإغاثة بعيدًا عن التدخلات المسلحة أو المطالبات المالية.

وفي الوقت ذاته، امتنع رئيس الوكالة السودانية للإغاثة عن التعليق، ما يعكس غياب الشفافية بشأن السياسات التي تتبعها الجهات الرسمية في التعامل مع المساعدات.

خامسًا: التداعيات الإنسانية… دارفور تدفع الثمن

إنّ تعطيل وصول الإغاثة في دارفور لا يشكل أزمة لوجستية فقط، بل يمثل تهديدًا مباشرًا للحياة.

فالإقليم يعيش واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يعاني السكان من:

  • مجاعة متصاعدة في بعض المناطق.
  • نزوح واسع داخليًا وإلى دول الجوار.
  • انهيار شبه كامل في النظام الصحي.
  • انقطاع الإمدادات الغذائية والطبية لفترات طويلة.

ويؤدي احتجاز الإغاثة إلى مضاعفة آثار الحرب، ويُعرّض مئات الآلاف لخطر الموت جوعًا أو مرضًا.

خلاصة تحليلية

تكشف الأزمة في نيالا عن واقع بالغ التعقيد، حيث تتحول المساعدات الإنسانية إلى ورقة ضغط سياسي ومالي في ظل غياب سلطة مركزية فاعلة. ويبدو أن تعدد الجهات المتحكمة وغياب الإشراف الدولي والوطني الفعّال يفتح الباب أمام ممارسات غير قانونية تؤدي إلى شلّ الحركة الإنسانية في منطقة تعاني أصلاً من ظروف كارثية.

إن معالجة هذه الأزمة تتطلب:

  • تدخلًا منسقًا من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
  • إعادة هيكلة منظومة الإغاثة داخل دارفور.
  • ضمان مرور المساعدات دون جبايات أو عوائق أمنية.
  • مساءلة الجهات التي تعطل وصول المساعدات.

فبدون ذلك، سيظل المدنيون في دارفور يدفعون الثمن الأكبر في حرب طاحنة لا يبدو أنها ستتوقف قريبًا.

زر الذهاب إلى الأعلى